الارشيف / أخبار العالم / هافينجتون بوست

أن يعتريك وسواس

عندما تكون في فراش نومك الذي يبعد عن الأرض بسنتيمترات قليلة فتسقط على حين غرّة، فتشعر أن روحك سقطت من أعلى قمة جبل إيفرست، فهذا يعني أن روحك يعتريها وسواس.

إن أكثر ما تعاني منه الأرواح في وقتنا الحالي هي "الوساوس" باختلاف أنواعها وأشكالها، في ذلك الوقت لا بد من أن تقف ونفسك أمام مرآتك؛ إما أن تتعارفا فتأتلفا بين ذواتكما أو تبدآ صراعكما الأبدي.

الكل يراقبك خلسة، وكأنك ترتكب جريمة، وكأن الإنتربول يطاردك في كل مكان تخطو فيه قدماك، فلا تجد غير تلك الوساوس قد استحوذت عليك، ما زالت تراودك كل يوم قبل أن تنغمس في سبات عميق، وعندما تستيقظ تجدك لا تعرف كيف أمسيت فلا تبالي، تحاول أن تبدأ يوماً جديداً بدون وجود وساوس، دون أن تجد تلك العراقيل التي ما زالت تُحيل بينك وبين واقعك.

إن ارتحالك من واقعك المرير إلى باطنك إلى حياتك التي تمنّي نفسك لو تعيشها، لو تجوف في تفاصيل ما ترسمه كل ليلة قبل نومك، تتمنى لو جلست ونفسك تحت ظل شجر المانجو التي تشتهيها نفسك كل يوم، ولا تستطيع أن تأكل منها في واقعك بسبب الأمراض التي تعاني منها، إن حبك وشغفك لأن تعيش حياة المغامرات قد دفن في أول مغامرة قد خُضتها، عندما فشلت فشلاً ذريعاً في أن تستحوذ على نفسك، على أفكارك، على أن تلملم جراحك، على أن تجمع فتاتك، على أن تحافظ على بقاياك لتبقى، لكن ما زلتَ لا تقوى على مواجهة وساوسك.

إن جرعات الحزن التي كنت قد احتسيتها من أفعال الغرباء الذين دائماً ما كانوا يخيبون ظنك، ما زال بقاياها في روحك حتى بعدما أبدلتها بجرعات الكوكايين التي كنت تظن أنها طوق النجاة، فلم تدرك أنها كانت سبيلاً جديداً تسللت منه الوساوس التي في الأصل أنت تعاني منها، إن صور الأشخاص مشؤومي الرأس التي تراهم ليل نهار في منامك وفي صحوتك ما هم بموجودين في الواقع، لكن كما قلت فأنت ما زلت تعاني من ذلك الشبح (الوساوس) الذي لم تعرف إلى الآن كيف تنجو منه.

إن ثوب الأتراح الذي خلعته لا يعني أن روحك أصبحت نقية لا شائبة فيها ولا دنس، أن تبقى بين البشر فهذا يعني أنك لن تكون طاهراً، لن تبدل أتراحك أفراحاً، لن تسلم من أفعال البشر فأنت حتماً لا بد من أن تكتوي بأفعالهم، أن تلدغ بسم كلامهم، هناك فئة منهم إن لم ينالوا من روحك فحتماً سيطفئوا نورها.

عندما تختلط عليك الأمور، تصبح القضايا أكثر تعقيداً، لا تعرف مَن على حق، لا تعرف مَن على خطأ، حينما تشعر بأن خطواتك باتت متهدجة، بدأت روحك تحيد عن الطريق، فيتحتم عليك أن تؤدي عملك فقط، لا تكترس لهذا أو لذاك فتعيش داخل قوقعتك، لا تبالِ بما حدث مع فلان أو ما جرى لصديقك القديم، عندما تصبح روحك مصابة بحساسية من أفعال الأقرباء والغرباء، عندما لا تقوى روحك على الصمود أمام سيل الكلام الذي يثرثر به والدك بسبب فشلك في سنة دراسية، فيبدأ لسانك بقذف طلقات من الكلمات تصيب عقله قبل قلبه، فيعي أنك كنت مهمشاً، أن روحك كانت مصابة بهشاشة، أن تفكيرك كان ممزقاً، أنك تعاني من ضغوطات، وإن كان يراها من قبل تافهة، فيحتضنك فيسمع قلبك نبضات قلبه قائلة لا تبتئس كل شيء سيكون على ما يرام، عندها تستفيق، فتدرك أن كل ما فات كان وسواساً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا