الارشيف / أخبار العالم / هافينجتون بوست

لقيط على أبواب الدول

قد يصعب على كثير من الناس تخيل أو معايشة الحالة النفسية لأولئك الذين لم تنصفهم الدنيا، وأصبحوا من دون وطن متسولين على اعتاب الدول، بل أقول يستحيل أن يتفهموا ذاك الشعور.

الحكاية تشبه إلى حد كبير اكتشافك بعد بلوغك سن الرشد أن أبويك اللذين كنت تظن أنهما أبواك ليسا كذلك، وأنهما أيضاً لا يعرفان من هما أبواك الحقيقيان، بل لا يعرفان كيف أتيت إلى الدنيا، وستبدأ حينها في دوامة من التيه بين أن تصدق وأن تكذب، وستحتار فيما ستفعله بماضيك الجميل الذي أصبح فجأة وادياً من السراب، ستنهار داخلياً ولو كنت من أعتى الرجال.

وحتماً ستفكر بالتخلص من نفسك، للخروج من هذا المأزق النفسي، وستراودك الكثير من الشكوك والأوهام عن حقيقة نفسك، وعن والديك، وعن أسباب تركهما لك، وعن الأسباب التي جعلت من كنت تظن أنهما والداك تحمل رعايتك وتربيتك، أنت حينها رماد يطير في الهواء، أحرق النار كل ما فيه، ثم تركه للعوامل البيئية.

هل تصورت معي الآن جزءاً من حياة مشرد لا يعرف له وطناً، حسنا سأنتقل معك إلى مآسٍ أخرى، لتكتشف فظاعة الأمر، لكن قبل ذلك تأكد أنني لا أتحدث عن الذين تركوا أوطانهم لسبب أو لآخر ويعرفون وطنهم ويعرفهم... فقط تأكد.

في علم الاجتماع شيء يسمى بتراكم الهويات وتزاحمها، وهو يعني تراكم عدد من الهويات في شخص أو شعب أو مجموعة عبر الزمان، وتزاحم عدد من الهويات في المكان، دعني أشرح لك ذلك.

تخيل نفسك في بلد ما، وفي مكان ما من هذا العالم الفسيح، قد أتيت إلى الدنيا لا تدري عن شيء، وأي شيء قد كتبه الله لك أو عليك، المنطق البدائي يقول إنك ابن للموطن الذي ولدت فيه، ولذلك فإن أول هوية تحملها في نفسك وليس على الورق هي هوية البلد الذي تلد فيه، لكن الأعراف السياسية الحديثة قد لا تتفهم ذلك بشكل إنساني أخلاقي، وبنفس السذاجة التي تفكر فيها.

عندما تكبر وتبدأ في استيعاب واقعك شيئاً فشيئاً تكتشف أنك تعيش حالتين في اليوم، مرة ضمن مجموعة أنت منها وهي منك، تتواصلون بنفس الوسائل، ومرة أنت بعيد بشيء قليل عن هذا المحيط في محيط آخر مختلف تماماً ينظر إليك شذراً، وبشيء من الازدراء، وأحياناً تعاطفاً، فتحاول أن تواكبه وتتماشى مع معطياته، وأنت لا تعرف إلى أي الفريقين تنتمي بالضبط، ومن هما حقيقة.

مع مرور الأيام يتبين لك أنك لا تنتمي إلى البلد الذي تعيش فيه، وأن الأقدار هي من جعلتك هنا من دون إذن منك، فتبدأ أولى رحلاتك في البحث عن الهوية الضائعة، لتعرف من أنت، تماماً كمن يبحث عن والديه الحقيقيين فلا يجدهما، وحينها ستمر بأول اضطراب للهوية، فقد اضطررت إلى ترك هويتك الأولى، وأنت الآن بهوية مجهولة لا تعرفها، وتنتظر إلى أن تتبين لك الأمور.

تتعمق في الدنيا أكثر، فتعرف أنك تحمل اسم وطن لا تعرفه ولا يعرفك، وهو أيضاً ليس بوطنك الحقيقي، لكنه ابتلي بك وابتليت به، من أجل أن تكون فرداً نظامياً في المكان الذي ولدت فيه، واكتشفت لاحقاً أنه ليس بوطنك، وهذا تماماً الحالة التي تشعر بها عندما تكتشف أنك تحمل لقباً وعائلة ليست لك، وأن اسم أبيك على الوثائق ليس بصحيح، وتعيش في منزل لا تنتمي إليه.

أنت الآن تراكمت عليك مع الزمان ثلاث هويات: إحداها مجهولة، واثنتان تعرفهما معرفة يسيرة، وقد تزاحمت تلك الهويات في شخصك المسكين في مكان واحد، وأنت في صراع لتنتمي إلى أي واحدة منها، وهي ليست على استعداد لتوافق على انتمائك لها.

البلد الذي اكتشفت أنك تحمل اسمه يمنّ عليك، ويطلب منك أن تبرهن على انتمائك له، وأنك أهل لحمل اسمه، ويأمرك بأن تقدم القرابين له، وتصلي بين يديه، وتُقبل ما بين عينيه، وأنت قلبك منجذب نحو البلد الذي ولدت وكبرت فيه، لكنه لا يكترث بك، وعقلك يفكر في البلد الحقيقي الذي لا تعرفه وهو لا يفكر بك، وتضيق بك الحياة أكثر، وتتسول على أبواب الدول تطلب من يتبناك دون أن يمنَّ عليك، أو يطلب منك القرابين إلى حين أن تجد وطنك الحقيقي.

تنتبه فجأة لأصوات منبه السيارات خلفك، أنت الآن واقف في إشارة مرور، وقد عرقلت السير، وأنت غارق في التفكير.. ترفع صوت المسجل وأم كلثوم تغني:

يا فؤادي لا تسل أين الهوى ** كان صرحاً من خيال فهوى
اسقني واشرب على أطلاله ** واروِ عني طالما الدمع روى
كيف ذاك الحب أمسى خبراً ** وحديثاً من أحاديث الجوى

ثم تمضي في عالم حيرتك.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا