الارشيف / أخبار العالم / هافينجتون بوست

وهل بَقِي في العُمْرِ عُمْرٌ يا عُمَر؟

أريد أن أبدأ بمقدمة أنيقة تناسب أهمية ما ستتناوله المقالة، ولكني لا أجد في قريحتي إلا الغضب، لا أستطيع سوى تخيل "عمر" وهو يخرج من المعتقل مرتمياً في أحضان أصدقائه، فيجد أن أحضانهم مليئة بالأطفال والزوجات، وفي عقولهم هموم لقمة العيش والمسؤوليات، منهم من وصل بطموحه إلى مكانة عالية في عمله، ومنهم من يزال "يعافر"، لكي يصل وفي جميع الأحوال لقد مُنِح حق المعافرة.

اتخيله وسط أمه وأخواته البنات وهو الرجل الوحيد بينهن في بيت بلا أب أو أخ آخر وكل أخت "ملهيّة" مع أولادها وزوجها وحكاوي سِلفتها وحماتها وأسعار البامية والكوسة والبحث عن الخطة المثلى لتدبير مصاريف الدروس الخصوصية، والجمعية التي تسدد أقساطها لتدفع رسوم المدرسة الإنترناشونال.

أتخيل صديقه الأنتيم الذي اعتاد أن يجلس معه على القهوة ولكنه لن يستطيع اليوم لأن عليه زيارة حماته، صديق آخر ما زال عالقاً في الماجستير وآخر ترقى ليصبح مدرساً مساعداً، أتخيل "عمر" وهو يحاول أن يتواصل مع صديقاته، ولكن الآن لكل واحدة منهن حياتها الخاصة التي لم يعد "عمر" جزءاً منها، أتخيل "عمر" وهو يتربع الأرض تحت قدمي والدته وهي تحثه على "الوقوف على رجليه" والاستمرار في الحياة والمعافرة، فتبدأ كأي أم مصرية أصيلة بالبحث له عن عروسة.

ولكن العُمْرَ مرّ سريعاً يا "عمر"، فأنت لا تستطيع الارتباط بفتاة صغيرة تركض خلفها في الجنينة، وتحضر لها باقة زهور رخيصة، ودبدوباً أحمر في عيد الحب، وتأكل معها الآيس كريم في وسط البلد، لن تجد تلك الفتاة العفوية التي ستركب معك الأوتوبيس وتجدها تجربة "سو أورينتال"، أو التي ستمسك يدك في محطة مترو السادات وتحتضنك في الميكروباص، جميعهن الآن تزوجن، وليس أمامك سوى خيارات محدودة، فهذه امرأة مطلقة وتلك أرملة، وهذه تجاوزت سن الزواج بسنين كثيرة، اللواتي أمامك الآن نساء ناضجات يردن منزلاً ورجلاً وقوراً، تخطين مراهقة باقة الزهور والدبدوب الأحمر، ودخلن مرحلة الاستقرار وتأمين المستقبل.

عذراً يا "عمر" لقد فاتك القطار، قطار المستقبل والمهنية والحب والمراهقة والزواج والأطفال، فاتتك كل الطرق، وبقيت وحدك مشتتاً تائهاً، الإنجاز الوحيد الذي عليك إتمامه الآن أن تتجاوز سنين المعتقل بسلام وتتناسى ما لقيته من تعذيب وإهانة، ربما عليك الذهاب لطبيب نفسي، وتجلس القرفصاء بجانب أمك وتنتظر أخواتك يوم الجمعة حين يأتين بأطفالهن ليزعجوك ويذكروك أنك في محلك لم تنجز شيئاً.

أتخيل "عمر محمد علي"، ذلك الشاب العشريني طالب كلية الهندسة الذي حكم عليه بالمؤبد في قضية 174 المعروفة إعلامياً بـ"خلية القاهرة"، والتي نشرت القوات المسلحة فيديو يحوي اعترافات "عمر"، وآخرين بتورطهم في أخطر عملية إرهابية في التاريخ، وعلى أثره نشرت منظمة العفو الدولية رسالة من عمر بأن ما قاله في الفيديو المزعوم أجبر عليه تحت التعذيب والتهديد!

حينما تم القبض عليه وهو برفقة "إسراء الطويل" و"صهيب سعد" في خروجة شبابية في حي الزمالك الذي يستبعد تماماً وجود أي نشاط ثوري أو إرهابي فيه، قال أحد الضباط: "ده عيل هلّاس إيه اللي جابه هنا؟!".

بشكل شخصي لا أجد "الهلس" و"التفاهة" التي يشيد بها أصدقاؤه ليستميلوا تأييد الناس وممارسة ضغط إعلامي لتحريره أمراً قابلاً للفخر وسرد مقال طويل عريض حول عظمة تفاهة الشاب "عمر"، وأنه من حقه الخروج من المعتقل، لأنه "تافه" و"هلاس"، ولا تفكير عنده سوى في "البلاي ستيشن"، وكأن من كان يفكر في الحرية والوطن ويحمل هم العدالة فوق كتفيه يستحق الاعتقال، ولكن "عمر" لا!

لغة حقيقة لا تعجبني ولم تعجبني حينما كانوا يتباكون على "إسراء الطويل"، وأنها لا تطمح لشيء وهي في المعتقل سوى "لكيس شيبسي" و"شوكولاتة كيت كات"!
وفي جميع الأحوال دفاعنا عن المبدأ لا يجعلنا نفرق ما بين من خرج في مسيرة يصرخ في وجه الظلم، ومن خرج إلى الزمالك ليأكل طبقه المفضل في "تشيليز"، جميعهم من حقهم الحرية، جميعهم من حقهم أن يعيشوا ليبنوا مستقبلهم ويعملوا ويتزوجوا وينجبوا أطفالاً ويكملوا دراساتهم ويصلوا إلى أعلى الأماكن، ويقبضوا أعلى المرتبات، الجميع من حقه "المعافرة" في الحياة، ورؤية إنجازاته الصغيرة وهي تكبر أمامه.

"عمر" خرج في 30 يونيو/حزيران ضد الرئيس المعتقل "محمد مرسي"، كما ثار وصرخ في الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني، ثم قرر أن يصمت عن كل ذلك الهراء الذي يحدث في الوطن.. قرر أن يسكت كما قرر الكثير منا.

من المثير للنكتة أنه درس في ثانوية عسكرية، وعمل رسام أوتوكاد في أحد مصانع القوات المسلحة في حلوان، بجانب دراسته للهندسة، ثم سجن لعام ونصف في قضية عسكرية لاتهامه بمشاركته في خلية إرهابية!.

أصدقاؤه يدشنون الكثير من "الهاشتاجات" قبل جلسة النقض، يدعون ويبتهلون أن يخرج إليهم "عمر" ليعودوا إلى سابق عهدهم معه، ولكن هل سيعود "عمر" إلى سابق عهده!

كلما تخيلت آلاف المعتقلين وقد خرجوا إلى الحياة.. لا أستطيع سوى تخيل كائن منكسر حزين.. قهره وطنه وعذبته بلاده..

"عمر" أحد أبناء مدينة 15 مايو النائية التي أنتمي إليها أيضاً، تلك المدينة الميتة التي لا يعرف أغلب المصريين أين تقع، والتي يعتقد النصف الآخر من الشعب أنها صحراء بعيدة ويسألون أي ساكن فيها "انت عايش في الصحرا دي إزاي؟"، تلك المدينة التي كنت أكرهها فلا نشاط فيها ولا حياة حتى إن أبناءها لا يفضلون الخروج منها، فهم نائمون كما ينام الجمل في صحرائه الواسعة بجانب بئر الماء والواحة الصغيرة التي توفر له طعامه، المدينة التي فجأة اكتشفت أن "عمر" منها، وتوالت اخبار معتقلين وشهداء ينتمون إليها.

يا إلهي! هناك حياة حقاً، وفعلاً في تلك المساحة الهادئة والساكنة من الأرض، أشخاص يثورون ويصرخون ويُعتقلون ظلماً وينادون بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية، لعلني قابلتك يوماً في طريقي إلى محطة الميكروباص، أو وأنا أحتسي القصب في مجاورة 6 أو آكل الآيس كريم اللذيذ من ألبان شاهين، يبدو يا عزيزي أننا جيران منذ زمن ولا ندري، أتشوق ليوم خروجك لألقي عليك السلام، وأتمنى أن تجدني في محل الصداقة والأخوة.

أتذكر الآن أغنية "أصالة": "عيش سكر وطن"، التي عبرت فيها عن هؤلاء المهمومين بحال أوطانهم، ولكنهم يحاولون الصمت والتناسي حتى يصمدوا في الحياة، ربما كان "عمر" كذلك، وأنا أيضاً كذلك، ولكننا إذ فجأة نجبر على الصراخ، نجبر على قول الحق.

عزيزي "عمر"، اسمح لي بقول "عزيزي"... أتمنى أن تخرج سالماً أنت وكل من هو "عمر"... لتستمروا في الحياة وتعملوا وتدرسوا وتقرأوا وتسعدوا وتلعبوا البلاي ستيشن المحبب إليكم وتجدوا الفتاة المناسبة لتشتري لها باقة زهور ودبدوبا أحمر وتركب معها المترو، وتحميها من أيادي الأشرار، تحمل طفلك الأول وتبكي حين تراه عند الطبيب وتبكي حين يناديك "بابا".. تجلس على قهوتك أنت وأصدقاؤك وقد هربتم جميعاً من زيارة حمواتكم واستأنستم ببعضكم قليلاً..

سلام الله على كل مَن هو "عمر"... سلام الله على كل المعتقلين والمسجونين ظلماً.. حرركم الله وغشيكم برحمته وعدالته.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا