الارشيف / أخبار العالم / هافينجتون بوست

لم تعُد باريس حلماً يراودني!

كنت كغيري من الكثيرين الذين كونوا هالة كبيرة حول باريس تلك المدينة التي ومنذ أن بدأت أقرأ في الأدب وجدت الأدباء والكتاب دوماً يرسمونها في كلماتهم على أنها مدينة الجمال والرومانسية والعراقة، مدينة السحر بكل تفاصيله، فشرب فنجان قهوة وأنت تجلس في شرفة أحد فنادق باريس الشهيرة المطلة على برج إيفل كان يكفي ليجعلني أحلم طيلة الوقت بزيارة هذه المدينة الساحرة.

حتى عندما أتيحت لي الفرصة لدراسة لغة ثانية إلى جانب الإنجليزية لم أتردد في اختيار الفرنسية، لعلي يوماً ما أزور فرنسا وأحتاج إلى أن أتحدث بهذه اللغة التي طالما أحببتها أيضاً.

ولكن كل هذا لم يعد لديه مكان في أحلامي وأمنياتي الآن!

فلقد صدمت من قرارات فرنسا الأخيرة ضد ارتداء "البوركيني"، وهو لباس البحر المحتشم والذي يغطي كافة جسد المرأة وأغلب من ترتدي هذا الزي هن من المسلمات المحجبات، وهذا الأمر أحزنني كثيراً وجعلني أشعر أن فرنسا - بلد الحرية - كما كنت أظن ليست كذلك فعلياً، فقبل منع البوركيني قاموا بمنع الحجاب في المدارس، ثم قاموا بمنع النقاب في الأماكن العامة، وهذه القرارات ضد قيم الحرية واحترام هوية الآخر، وأصبحت أشعر أني لم أعد أحب هذا البلد، ولا أرغب في زيارته، ولم يعد الأمر كله أمنية أو حلماً يراودني.

فكيف أذهب إلى بلد يرفضني بهويتي وشكلي الذي أحببت أن أكون عليه، كيف لي أن أدفع نقودي وأموالي في بلد يمنعني من أبسط حقوقي بالاستمتاع على البحر ومشاهدة الطبيعة دون أن أترقب أن يقبض علي أحدهم بتهمة أني أثير غضب الفرنسيين بزيي!

تناقضات كثيرة أصبحت أراها في هذه القوانين الغريبة التي تخرج علينا يوماً بعد آخر، وكأن المسلمين هم مصدر تعكير كل شيء في هذه البلاد، بالطبع لا يمكنني التعميم على ذلك، لأنه يوجد بالفعل بلدان غربية تحترم المسلمين وتحترم هويتهم وتبني على أراضيها المساجد والمراكز الإسلامية، ولا يمنع فيها الحجاب ويحترم فيها ثقافة الآخر كما هي أياً كانت، وهذه البلاد أكن لها كل الاحترام، وأرغب في زيارة بعضها يوماً ما، لأني لن أشعر أني متهمة بإثارة مشاعر الغضب، كما هو الحال الآن في فرنسا.

قد يقول لي قائل إن هذا القرار نتيجة لتصرفات بعض المسلمين القلة الذين يشوهون سمعة الإسلام بتصرفاتهم العنصرية وقتلهم للأبرياء، ولكني أرد على هذا القول بأن الإرهاب واقعياً لا دين له، والتعصب ليس مرتبطاً بملة أو ثقافة أو دين بعينه، والتاريخ يشهد - وإلى الآن - بأحداث عنف كان أصحابها غير مسلمين، ولكن الفرق أنه لا يتم التعميم فيها، ويقال كل اليهود أو كل المسيحيين إرهابيون، بل يقال إن هناك فرداً أو أكثر قاموا بعمل استثنائي يعبر عنهم دون ذكر دينهم أو بلدهم الأصلي، فلماذا لا يتخذ نفس النهج حينما يكون الأمر مرتبطاً بشخص مرجعيته الإسلامية المغلوطة والمغايرة لطبيعة الإسلام الذي يدين به الملايين، ويعيشون في سلام وتناغم مع أنفسهم، ومع من حولهم في العالم أجمع.

لهذا أختلف مع قرار منع البوركيني وأستنكره بشدة، وأرى أنه يعبر عن عنصرية واضحة ضد المسلمين، وأبسط مثال على ذلك أنه لو شوهدت امرأتان على شواطئ فرنسا ترتديان البوركيني بشكل كامل، ولكن واحدة منهما تغطي رأسها، والأخرى تكشف شعرها كاملاً، فالمحجبة ستغرم، والأخرى ستترك تمارس حريتها كما تشاء، وهنا يتضح أن الأمر خاص بالمسلمين، وليس بالزي في حد ذاته.

لذا لم ولن تكون باريس حلماً يراودني ما داموا يتمسكون بهذه القوانين التي لا تشعرني أني مرحب بي في بلد الحرية، كما يدعون!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا