الرياضة / الشرق الاوسط

المدربون الإنجليز متهمون بعدم زرع «ثقافة الفوز» في نفوس الناشئين

كبح الغريزة الفطرية في نفوس لاعبيهم وراء فشل الكرة الإنجليزية

الخميس - 2 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 01 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13883]

مع نجاح لاعب خط وسط المنتخب الإسباني إيسكو في تمرير الكرة من بين قدمي حارس مرمى المنتخب الإنجليزي توم هيتون الذي بدا عاجزًا، نجحت إسبانيا في تحقيق ما كان يبدو في حكم المستحيل وخطفت التعادل أمام إنجلترا بعد أن كانت النتيجة تقدم الأخيرة بهدفين دون مقابل حتى الدقيقة 89 من عمر المباراة. ورغم أن المباراة كانت ودية، فإنها شهدت توترًا وقلقًا بالغًا من مختلف الأطراف حتى اللحظات الأخيرة منها، ذلك أنه كان من الواضح تماما أن كلا الفريقين يسعيان للفوز. ومع بقاء منصب مدرب المنتخب الإنجليزي شاغرا رسميًا حتى هذه اللحظة، بدا غاريث ساوثغيت حريصًا كل الحرص على إنزال الهزيمة بالدولة التي هيمنت على عالم كرة القدم على مدار العقد الماضي. ومع هذا، أقصاه عن هذا الهدف المنشود بضعة ثوان قرارات سيئة.

وبدا الألم بوضوح على وجه ساوثغيت وهو يستفسر من الحكم الرابع عن الوقت المستقطع من المباراة. ورغم التغييرات الكثيرة التي أدخلها على تشكيل الفريق خلال الشوط الثاني، شعر المرشح الأول لتولي تدريب المنتخب بخيبة أمل ثقيلة جراء عجز فريقه عن الاحتفاظ بتقدمه أمام إسبانيا بهدفين قبل انتهاء المباراة بثوان قليلة، فإن السبب وراء ما حدث لم يكن بأي حال غياب الفرص أمام لاعبيه.

في الكتاب الأخير للصحافي الرياضي الإسباني مارتي بيرارناو الصادر بعنوان «بيب غوارديولا: التطور»، شرح مدرب مانشستر سيتي كيف ينبغي للاعبيه الاستجابة حال تقدم الخصم عليهم بهدف على النحو التالي: «إن ما نحتاجه حقًا في مثل هذه اللحظات التفكير بعقلية لاعب خط الوسط.. استحوذ على الكرة، وقم بتمرير الكرة قرابة 50 مرة.. من خلال ذلك، تنجح في تهدئة أجواء المباراة، ويفقد الفريق الخصم المتفوق عليك بعضًا من حماسه وطاقته، ويصبح بإمكانك بعد ذلك العمل على إيجاد سبيل لاستعادة زمام المباراة».

واستطرد موضحًا: «أما إذا انطلقت بالكرة بمجرد استحواذك عليها، ستخسرها وتضطر إلى الاستمرار في مطاردتها. وإذا حدث ذلك في أعقاب نجاح الخصم في اختراق مرماك بهدف، فإن الاحتمال الأكبر أنه سيتمكن من إلحاق هدف آخر جديد بالأول. لا، ليس هذا السبيل الصحيح لاستعادة التوازن. وإنما عليك الفوز بالكرة، ثم تمريرها قرابة 20 مرة لخفض حرارة الأجواء الحماسية داخل الملعب».

بالنظر إلى المباراة الأخيرة، نجد أن إنجلترا استحوذت على الكرة بإجمالي ثماني مرات خلال الفترة ما بين الهدفين اللذين سجلتهما إسبانيا. وجاءت أربع مرات منها نتيجة تعجل الدفاع الإسباني في تطهير منطقة مرماه من الكرة، بينما شكلت ثلاث مرات أخرى محاولات حثيثة لتصويب الكرة باتجاه المرمى من العمق، ولكنها أحبطت جميعًا من قبل اللاعبين الإسبان الذين عمدوا إلى الضغط على المنتخب الإنجليزي. أما الأخيرة فكانت نتيجة جري فردي من جانب أندروس تاونسيند أسفرت عن تمريرة للكرة في توقيت رديء. ولم تثمر أي من المرات الثماني عن سيطرة إنجلترا على الكرة لأكثر من ست ثواني. أما المنتخب الإسباني فقد سارع إلى إنزال العقاب باللاعبين الإنجليز بسبب هذه الخطايا.

بعد أن نشأت على عشق كرة القدم وممارستها في شمال إنجلترا وأنجزت دوراتي الأولى للحصول على تراخيص لمزاولة التدريب عبر اتحاد كرة القدم، قررت أن أتابع كيف يجري التعامل مع مسألة التدريب في بلدان أخرى. وعلى مدار الأعوام الثمانية الأخيرة، عملت مع مدربين من ألمانيا وإيطاليا وفرنسا والأرجنتين والبرازيل وبيرو. ورغم تباين أساليب التفكير والأساليب المتبعة داخل الملعب وفلسفات التدريب، فإنهم تشاركوا جميعًا في هدف واحد رئيسي: الفوز.

في عام 2014، كنت محظوظًا بما يكفي كي أضطلع بدور مساعد بفريق الناشئين داخل نادي يقع على أطراف برشلونة. وشعرت بالدهشة حيال الآيديولوجية السائدة التي عاينتها هناك منذ اليوم الأول. ونظرًا لارتباطي بتعاقد مع مكان آخر حتى سبتمبر (أيلول)، ضاعت مني فرصة المشاركة مع النادي خلال فترة الاستعداد قبل انطلاق الموسم وكان أول لقاء بيني وبين اللاعبين وفريق التدريب والعاملين داخل غرفة تبديل الملابس قبل المباراة الثالثة في الموسم الجديد.

أما لقاء التدريب الأول الذي شاركت به فجاء بعد ذلك بـ24 ساعة. وقبل أن تطأ أقدام اللاعبين أرض الملعب، اجتمعوا لمشاهدة مقطع مصور مدته 20 دقيقة أعده رئيس فريق التدريب ليوضح لهم اللحظات التكتيكية الحرجة خلال المباراة الأخيرة، والنقاط الأساسية التي يمكن تحسين أدائهم فيها مستقبلاً. أما الفريق، فتراوحت أعمار لاعبيه بين 13 و14 عامًا. بعد ذلك، وقف اللاعبون الناشؤون في دائرة حيث تولى المدرب طرح مزيد من التوجيهات والشرح حول التعادل بهدف لكلا الفريقين، الذي حققوه بالمباراة الأخيرة. بعد ذلك، جرى تأكيد النقاط الرئيسية التي ينبغي للاعبين تعلمها من الشريط المصور، مع توجيه ملحوظات إلى عدد من اللاعبين على وجه التحديد، إما بالإشادة أو التوبيخ لما اقترفوه من أخطاء. وبعد ذكر سريع للفرق التي ستجري مواجهتها الأسبوع المقبل ونقاط الضعف لديها التي يمكن استغلالها للفوز عليهم، انتقل اللاعبون إلى الملعب للاضطلاع بالتدريبات المعتادة بالكرة. وعلى امتداد الدقائق الـ11 الأولى من أول جلسة تدريب أشارك بها في إسبانيا، شدد المدرب الذي التحق لاحقًا بطاقم تدريب نادي برشلونة على قاعدة ذهبية مفادها أنه «ما من خطوط ولا محاضرات».

ومع مضي الأيام، أدركت أنه يتعين علي تغيير أسلوب تفكيري تمامًا كي أتمكن من اكتساب علم وخبرة حقيقية داخل إسبانيا معقل أبطال أوروبا آنذاك. أثناء التدريبات، كانت تجري محاكاة مواقف من مباريات حقيقية وتقسيم الملعب إلى ثلاثة أجزاء وقنوات عريضة، حيث يتدرب اللاعبون على مهاجمة الخصم الذي يفضل الاعتماد على خطة 3 - 5 - 2.

ومن المألوف أن يناقش المدربون أساليب اللعب والقضايا المتعلقة بها مع اللاعبين. ويمكنني التأكيد بكل ثقة أنه لم يسبق لي يومًا أن عاينت تأييدًا لفكرة محاكاة لمباراة من قبل داخل إنجلترا. ومع ذلك، فإنه أثناء دراستي دورات التدريب وفي إطار سعيي للحصول على تراخيص تدريب من «يويفا» في إسبانيا، شاهدت معلمين ينصحون الطامحين للعمل مدربين بالحديث إلى الحكام بشأن قراراتهم، ويجري نقل هذه العقلية إلى اللاعبين نهاية الأمر. وقد شاهدت لاعبين لا تتجاوز أعمارهم 8 سنوات يتحدثون إلى مسؤولين ويضغطون عليهم على أمل التأثير على قراراتهم خلال الفترة المتبقية لصالحهم. وحال تلقي ظهير بطاقة صفراء، فإن اللاعبين الناشئين صغار السن يسارعون إلى الجري نحوه وجره إلى داخل منطقة الجزاء في أسرع وقت ممكن، نظرًا لأنه سيشعر حينذاك بالتردد إزاء التداخل مع لاعب خصم للاستحواذ على الكرة منه، والاحتمال الأكبر أنه سيقع في خطأ ما.

في الواقع، إن الرياضة تعرينا تمامًا وتكشف بجلاء عن أكثر غرائزنا الحيوانية الأساسية، ذلك أن الرغبة في الفوز والنجاح تشكل الدافع الأكثر غريزية داخل أي منا. وإذا ما كان ثمة شخص يحول بينك وبين هذا الهدف، فإنه يتحتم عليك حينها استكشاف نقاط ضعفه والعمل على استغلالها على الفور. هذه هي الرياضة باختصار، بل هذه هي الحياة.

بحلول جلسة التدريب الثالثة، كان اللاعبون قد شاهدوا خمسة أفلام تعليمية مصورة وجرى توجيه كل منهم بخصوص كيف يمكنه معاونة الفريق كله خلال المباراة التالية. من جانبي، تحدثت إلى مدربين لمجموعات من الناشئين الأصغر سنًا من أندية مختلفة وأدركت نهاية الأمر أن الفوز يشكل الهدف الرئيسي والأكبر أمام اللاعبين الصغار الذين ربما لا تتجاوز أعمارهم السبع سنوات. هل هذا يعد نتاجًا لأسلوب تفكير يتسم بقصر النظر؟ أهذا حقًا هو السبيل الأمثل نحو تحسين أداء لاعبينا الناشئين؟ أم أن هذا مجرد أسلوب قديم يفتقر إلى الثقافة الكروية المناسبة؟ أو ربما مجرد صورة من صور الاختلاف الثقافي؟

من جانبه، جمع المدرب المعني باكتشاف المواهب الذي يعمل مع اتحاد كرة القدم، نيك ليفيت، مؤخرًا، نتائج من مسح غطى أكثر من 55 مجموعة من الأطفال الإنجليز من كلا الجنسين تتراوح أعمارهم بين 8 و12 يشاركون في أندية محترفة وأخرى شعبية. وكانت العبارات الثلاث الرئيسية التي طرحت على اللاعبين الصغار هي: «بذل قصارى جهدي أهم من الفوز» (نالت هذه العبارة القدر الأكبر من التأييد بفارق هائل عما تلاها)، و«أعشق اللعب لأنه ممتع» و«أحب اللعب مع أصدقائي». وفي جزء آخر من البحث اعتمد على استطلاع للرأي شمل 10.000 طفل تتراوح أعمارهم بين 10 و14، كشف ليفيت عن أن أكثر من 80 في المائة منهم أعربوا عن تفضيلهم اللعب داخل فريق يخسر عن المشاركة بصفتهم بدلاء داخل فريق يفوز.

من جانبي، عاينت توجهات متضاربة أثناء عملي في إسبانيا. في الموسم الماضي، عملت مع فريق دون الـ14، وكان يشارك على المستوى المحترف النخبوي، بينما كان يشارك الفريق الكبير للنادي ذاته بالدوري الممتاز. وكان الفريق الذي أعمل معه يخوض منافسة قوية على بطولة أمام أندية في حجم برشلونة. وعلى امتداد رحلة بالحافلة استمرت ثماني ساعات في طريقنا للمشاركة بمباراة في مدينة غوادالاخارا، وزع الطبيب النفسي المعني بالفريق استطلاعًا على اللاعبين يسألهم خلاله عن أهدافهم الرئيسية وتطلعاتهم من وراء المباريات المقبلة. وجاءت النتائج بالترتيب على النحو التالي: «الفوز بالبطولة» و«تنفيذ خطة اللعب على نحو جيد» و«تقديم صورة لفريق موحد الصفوف».

وعندما أعود إلى أيام طفولتي عندما كنت ألعب في إنجلترا منذ أكثر من 15 عامًا، أتذكر أن المدربين رغبوا منا الاستمتاع بالنجاح وتحسين أدائنا أفرادا، فعندما كنت ألعب، كنت أطمح إلى الفوز فردا، وكان خصومي يسعون أيضًا وراء الفوز، وكان اللاعبون الذين يحملون بداخلهم رغبة أكبر في الفوز هم من يحققونه في الغالب لأنهم كانوا يتدربون بجدية أكبر ويعدون أنفسهم كي يتفوقوا على نظرائهم.

ولا أتذكر أنني سبق أن دخلت المدرسة يوم اثنين وسألت صديقي: «هل بذلت أقصى جهدك في التدريب خلال العطلة الأسبوعية؟» أو «هل استمتعت مع أصدقائك؟» وإنما كان استفساري الوحيد: «هل فزت؟» و«كم عدد الأهداف التي سجلتها؟» ليس أكثر من ذلك، ولا أقل.

يرى البعض أن التركيز المفرط على مسألة تحقيق الفوز أضرت بالكرة الإنجليزية على المستوى الشعبي لها. وفي حديث له معي، أكد نيفيت أن غالبية الأكاديميات المحترفة داخل إنجلترا لا تشير إلى مسألة استكشاف الخصم أو تعزيز الرغبة في الفوز بوصفه أولوية حتى يبلغ اللاعبون 16 عامًا أو أكثر.

وهنا يظهر التساؤل: هل تغير الأطفال أنفسهم؟ هل تلاشت الملابس الرياضية الفضفاضة وحل محلها «الآيفون»؟ يذكر أن مسحًا أجرته منظمة «ناشيونال ترست» خلص إلى أن الأطفال البريطانيين بين سن الرابعة والرابعة عشرة يقضون في المتوسط ما يزيد قليلاً على أربع ساعات أسبوعيًا يلعبون في أماكن مفتوحة، مقارنة بـ8.2 ساعة أسبوعيًا كان يقضيها آباؤهم وأمهاتهم. إن التعرض لسحجات وكدمات أثناء الاشتباك مع صديق في تنافس للاستحواذ على الكرة دونما قيود من مدرب أو أب أو أم هو السبيل الذي تعلم من خلاله الصغار كيفية تجنب العقبات التي قد تعترض طريقهم، سواء كانت هذه العقبة الصبي الأكبر الذي يسكن الحي ذاته الذي يتعمد سد الطريق أمام الطفل أثناء مروره بالشارع، أو سيارة تمر بوسط الطريق. في مثل هذه البيئات، تتشكل الشخصيات وتصنع ذكريات رائعة تبقى أبد الدهر. ومع هذا، تظل الذكرى الأروع عندما نجحت في تحقيق الفوز لفريقك في مباراة في الشارع بثلاثة أهداف.

من ناحية أخرى، كان جون كولينز، لاعب سلتيك والمنتخب الاسكوتلندي السابق، ضيفًا في أحد البرامج الإذاعية مؤخرًا، حيث كان يناقش فكرة الفوز، ووصفها بأنها تشكل عائقًا أمام جهود تنمية اللاعبين الصغار. ورغم أنه بطبيعة الحال ينبغي أن يتوافر لدينا خطة لعب وأساليب محددة للتدريب، لكن ألا ينبغي أن تؤدي هذه في نهاية الأمر إلى خلق الرغبة في الفوز؟ لقد عاينت أندية وآباء وأمهات بلغ إيمانهم بالفكرة التي عبر عنها كولينز حدًا جعلهم يطلبون عدم نشر نتائج مباريات كرة القدم للناشئين لإعفاء اللاعبين الصغار الخاسرين من الشعور بالحرج والألم.

في الواقع، من شأن مثل هذه العقلية الإضرار بلاعبينا الناشئين على المدى الطويل. إن الخسارة جزء أصيل من اللعبة وتلعب دورًا هائلاً في بناء روحنا المعنوية. إن أنجح الأفراد والفرق في جميع مشارب الحياة وصلوا لما حققوه لأنهم ذاقوا ذات مرة مرارة الهزيمة، ما دفعهم لتقديم تضحيات كبيرة في خضم مساعيهم لإيجاد سبيل لضمان عدم تجرع هذه المرارة ثانية أبدًا. إن الرياضة تعلمنا الانضباط الذاتي والتحفيز والتنظيم، وعندما تشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 99 في المائة من اللاعبين الناشئين الذين نتولى تدريبهم لا ينتهي بهم الحال داخل عالم كرة القدم للمحترفين، فإن أقل ما يمكننا تقديمه لهم معاونتهم على اكتشاف قدرات بداخلهم وتعزيز نقاط القوة لديهم بحيث يتمكنوا من التكيف مع تقلبات الحياة والتطور لينجحوا في العالم الواقعي خارج أسوار ملعب كرة القدم.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا