الرياضة / الشرق الاوسط

مبابي يفرض نفسه على الكرة العالمية من دون سابق إنذار

  • 1/2
  • 2/2

ارتفع سعره إلى الضعف بعدما أثبت أنه يستحق المبلغ المدفوع فيه

تعتبر كرة القدم بمثابة واحدة من الأدوية المخدرة الثقيلة التي تمد المرء بشعور فوري بالرضا والغضب معاً: ففي ذات اللحظة التي ربما يتحول فيها كيليان مبابي إلى معشوق الجماهير، ربما تجري التضحية بليونيل ميسي ككبش فداء في المباراة ذاتها. أما المنطق فغائب تماماً عن هذا الأمر: فالأدوية المخدرة تهاجم المشاعر مباشرة ـ وذلك على حساب لاعبي كرة القدم.

تبلغ تكلفة مبابي 150 مليون يورو قبل أن تكون قيمته معادلة لهذا الرقم. ومع توافر أموال أكثر من المواهب المتاحة في السوق، فإن الوعود والتوقعات يمكن شراؤها على حساب الواقع. وكان من شأن هذا السعر تركيز الأضواء على هذا الصبي الواعد، ومن هنا دخلنا دوامة من التخبط والارتباك. في الواقع كرة القدم رياضة جادة، لكنها تزخر بأعداد كبيرة من الناس الذين يحرصون على تحويل اللاعبين إلى مجموعة من الحمقى.

من جانبه، قدم مبابي، خلال هذا العام الذي شهد تعديل سعره وارتفاع سقف التوقعات المنتظرة منه، أداءً جيداً ولعب بصورة جيدة (في الحقيقة هو لا يعرف كيف يمكنه اللعب بصورة رديئة). كما أن المسافة بينه وبين بعض أقرانه في باريس سان جيرمان من أمثال إدينسون كافاني ونيمار انكمشت. ويبدو مبابي على درجة جيدة من الثقافة والذكاء مكنته من تعلم الدروس الصحيحة ومحاكاة السمات الأساسية التي يتميز بها زملاؤه النجوم: فقد اكتسب العمل الدؤوب من كافاني، مهاجم قادر على تغطية الملعب بأكمله، إضافة إلى اللمسات السحرية لنيمار التي تتحقق عبر مزيج من السرعة والمهارة والخيال الثري.

إلا أنه في الوقت ذاته واجه مخاطرة محاكاة بعض السمات الأخرى، بمعنى تعلم أمور «خاطئة»، على رأسها الغيرة التي يبديها نجم الأوروغواي كافاني تجاه النجم البرازيلي (هل تتذكرون أزمة ركلة الجزاء؟)، ورغبة نيمار المفرطة التي تخرج عن نطاق السيطرة أحياناً تجاه التمثيل داخل الملعب. وقد تعلم مبابي ذلك داخل نادي كبير ـ واحد من تلك الأندية الكبيرة التي تعينك على الفوز، لكنها لا تغفر لك إذا لم تفز. بمعنى آخر، فإنها تضع اللاعبين تحت وطأة ضغوط كثيفة. وإذا ما تمكن لاعب ما صغير السن من اجتياز هذا المزيج من الخبرات حياً معافى، فإنه يتحول إلى ظاهرة، ليس مرة واحدة فحسب، بل مرتين: لموهبته ونضج شخصيته.

عندما وصل مبابي كأس العالم، كان لا يزال قيد الملاحظة، ولا يزال لاعبا ينتظر منه الآخرون الكثير. إلا أنه خلال المباريات القليلة الأولى، بدا ثمة شعور بعدم الارتياح عليه وعلى المنتخب الفرنسي بوجه عام. وعجز لاعبو خط الوسط عن خلق حالة من السيولة في اللعب، في الوقت الذي تقاسم المهاجمون الثلاثة المساحة فيما بينهم على نحو رديء. ورغم تحقيقهم الفوز، فإن أداءهم لم يكن مقنعاً. إلا أنه مع الانتقال إلى مراحل الأدوار الإقصائية، دخلوا في مواجهة أمام الأرجنتين بقيادة ميسي. وخلال المباراة، أظهر مبابي موهبة ترقى بالتأكيد إلى مستوى التوقعات المنتظرة منه. وكانت تلك واحدة من المباريات التي يدخل فيها لاعب ما إلى أرض الملعب كشخص، وبفضل موهبته العظيمة يخرج منه شخص آخر. ويؤكد ذلك أن كرة القدم بالفعل أشبه بمخدر عاطفي يبدل تفكير المخ ويؤثر على رؤية المرء للأمور.

من جانبه، اختار مبابي اليوم الذي رحل ميسي وكريستيانو رونالدو عن كأس العالم ليبدأ ثورته. ودون سابق إنذار ودون أن يطلب تصريحاً، شق مبابي طريقه نحو تاريخ كرة القدم، ساحقاً كل من اعترض طريقه. ومنذ الدقيقة الأولى، بدا أنه مصنوع من الريح والصلب وتمكن بجسارة من دك حصون الدفاع الأرجنتيني. وبدت الظروف مواتية تماماً. ورغم محاولات الأرجنتين السيطرة على المباراة، فإنها عجزت عن التصدي لفرنسا. وعندما يكون أداء فريقك على هذه الدرجة من التكلف، تصبح مسألة فقدان الاستحواذ على الكرة عاجلاً أفضل عنها آجلاً، عندما يتمركز الخصوم في العمق في انتظار فرصة سانحة.

وقد رأينا ذلك في مباراة الأرجنتين وفرنسا، عندما كان مبابي يجري باتجاه المرمى، ويطارده من الخلف ثلاثة أرجنتينيين. ويعني ذلك أنهم إذا عجزوا عن الإمساك به، ستكون النتيجة هدفا. أما إذا أمسكوا به، فستكون النتيجة ركلة جزاء. في المجمل، كان أداء الأرجنتين رديئاً بعكس الأوروغواي في دور الثمانية، بينما بدا مبابي في غاية التألق وأظهر مستوى رفيعا من الدقة والسرعة لم نره منذ رونالدو، النجم البرازيلي الذي عندما كان ينطلق كان يبدو كما لو أن قطيعا بأكمله من الكواسر قد انطلق الملعب في حالة فرار جماعي.

الملاحظ أن مبابي حقق قفزة واضحة في مستوى جودة الأداء أمام الأرجنتين نقلته إلى مرتبة أقرب من قمة هرم لاعبي كرة القدم عالمياً. أما ما لم نره بعد فهو مدى قدرته على البقاء في القمة. في الحقيقة، تبدو موهبته أكبر من الأخطار التي تنتظره. وتستلزم موهبته داخل الملعب مساحة كبيرة وكرة، لكن ينبغي له الانتباه إلى أنه لن يواجه دوماً فرقا في مستوى سهولة الأرجنتين. ويكمن الخطر الحقيقي في أن يولي مبابي اهتماماً أكبر بالصورة عن الحقيقة، وبالتالي يقنع بتقديم شكل اللعب، بدلاً عن اللعب فعلياً ـ وهما أمران مختلفان تمام الاختلاف.

في كل الأحوال، يوجد بجواره أنتوان غريزمان الذي بمقدوره أن يتعلم منه اللعب الحقيقي أثناء انتظاره لفرصة سانحة. وبإمكانه تعلم الشعور الجمعي وكيفية تقديم العون لزملائه والالتزام التكتيكي. وعندما تصبح مندمجاً بحق في الفريق ككل، تبدو التحركات داخل الملعب سلسة وليست بحاجة للبحث عنها. ويأتي كل شيء آخر تباعاً على نحو طبيعي كنتاج لموهبة استثنائية والتي ستعيننا على امتداد العقد القادم على التغلب على مشاعر الحزن التي سنعايشها مع الانحسار المحتوم لتألق ميسي ورونالدو. موجز القول إنه أمام الأرجنتين نجح مبابي في الانتقال إلى مستوى جديد. والمفارقة أنه في اليوم الذي أثبت أنه يستحق بالفعل المبلغ المدفوع فيه، ارتفع سعره إلى الضعف.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا