الارشيف / الرياضة / الشرق الاوسط

وباء الفساد.. سيبقى متفشيًا ما بقي الجشع يحكم الرياضة

  • 1/2
  • 2/2

أوساط كرة القدم كانت تعرف ما تحدث عنه ألاردايس.. لكنها انزعجت عندما أصبحت الفضائح معروفة للجميع

الأحد - 1 محرم 1438 هـ - 02 أكتوبر 2016 مـ رقم العدد [13823]

الاتحاد الإنجليزي أجبر تريزمان على ترك رئاسته عندما تحدث عن فساد «فيفا» («الشرق الأوسط») - رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون وديفيد بيكام والأمير ويليام يروجون لاستضافة إنجلترا لمونديال 2018 («الشرق الأوسط»)

أينما وُجدت الأموال وجدت الأعمال القذرة والفساد، وأينما وجد الفساد فثم التربح السريع. كان ما كشفته صحيفة «ديلي تلغراف» عما قاله مدرب إنجلترا، سام ألاردايس، متسقا إلى حد معقول مع ميثاق العمل الصحافي. كان هناك شك أولي بوجود مخالفة ولم يكن هنالك سبيل أخرى لتأمين الأدلة.

عندما سُئِل رئيس اتحاد الكرة الإنجليزي السابق ديفيد بيرنستين عن الفساد في كرة القدم في وقت سابق، استمر في ترديد مقولة «لا شيء مثبت بالأدلة». لكن هذه هي مشكلة الرياضة الدولية. لا يمكن إثبات أي شيء أبدا، إذا ترك الأمر للرقابة الذاتية. انظر إلى اللجنة الأولمبية، والاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) واتحاد الدراجات، واتحاد الكريكيت، ورياضيو ألعاب القوى. لقد ضرب عفن الفساد كل هؤلاء بدرجات متفاوتة. وقد استلزم الأمر من الصحافيين - البريطانيين في الغالب - إخضاعهم إلى درجة من المحاسبة الأولية على أقل تقدير.

أشعر ببعض التعاطف مع ألاردايس. ومن خلال القراءة والإنصات لما بين سطور ما أوردته صحيفة التلغراف، من الواضح أنه يتحرك بسلاسة وسط الروافد الأكثر ضبابية لعصر الازدهار المالي لكرة القدم. لكن الحديث الذي دار بين الصحافيين السريين الذين نجحوا في كسب ثقة ألاردايس لا يبدو في سياقه ضربا من ضروب العمل الجنائي أو الاحتيال، وغير اللائق. لا بد أن بحث مختلف السبل المتعلقة بلوائح الانتقالات شيئا روتينيا بين وكلاء الأعمال والمدربين. كما أن من الصعب اعتبار حديث الزملاء المقربين المتسم بالنميمة في الحوارات الخاصة جريمة يعاقب عليها بالإعدام. وكان العرض المحدد بدفع أموال مقابل خدمات استشارية، كما أكد ألاردايس، شيء سيتعين عليه أن «يبلغ به» رؤساءه في اتحاد كرة القدم. أما بالنسبة إلى الرشى فهو شيء أدانه بشكل واضح في حديثه الذي تم تسجيله: «لم أسمع بذلك. لم أسمع بذلك أيها الغبي! عمَّ تتحدث؟...لا تجرؤ حتى على التفكير في هذا». كان الرد اللاذع مبررا، لكن كون المخالفات تستدعي إقالة المدرب هو أمر لا بد أنه محل شك.

والحق في هذه المسألة أن هذه اللعبات الرياضية تفوح منها رائحة الأموال، والأموال التي لا تخضع للسيطرة وغير المقننة سرعان ما تفوح منها رائحة الفساد. واتحادات هذه اللعبات ليس لديها - في غياب الانضباط الذاتي وتحت حماية المحاسبين المشبوهين – سوى شيء واحد تخشاه، وهو هذا الإحراج. وقد ارتكب ألاردايس هذا الأسبوع جريمة يعاقب عليها بالإعدام: أنه أحرج اتحاد الكرة.

وتعيد هذه المسألة إلى الذاكرة مصير ديفيد تريزمان، الرجل الذي كان يتولى رئاسة الاتحاد الإنجليزي قبل 2010، والذي تولى بيرنستين المنصب خلفا له. وكان أذيع تسجيل لتريزمان، وهو يتحدث عن فساد الكثير من أعضاء «فيفا»، قبل المحاولة الفاشلة من جانب غوردن براون رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ثم من جانب ديفيد كاميرون رئيس الوزراء السابق، لـ«الفوز» بتنظيم إنجلترا لكأس العالم 2018. أرغمه زملاؤه الغاضبون في الاتحاد الإنجليزي على الاستقالة، وهو ما هنأهم عليه وزير الرياضة آنذاك، هيو روبرتسون.

لن أنسى أبدا وجوه «الأسود الثلاثة» الإنجليز، كاميرون، وديفيد بيكام، والأمير ويليام، في وقت لاحق من ذلك العام في زيوريخ. فشل جهدهم في الفوز بطلب الاستضافة على نحو مثير للسخرية، وبدوا كأموات يمشون. كانت «بي بي سي» وصحيفة «صنداي تايمز» أخبرتهم بفساد شاب عملية التصويت. كانوا ساذجين إلى حد الغفلة، بل لقد حاولوا فرض الرقابة على «بي بي سي» لمنع الكشف عما تعرضوا له من إذلال.

وتبين أن كثيرًا من المزاعم التي جاءت على لسان تريزمان كانت صحيحة. وقد استقال الكثير من أولئك الذين صوتوا ضد إنجلترا الآن أو يواجهون المحاكمة. فهل اعتذر الاتحاد الإنجليزي لتريزمان أو أعاده إلى منصبه؟ لا. هل رفض الاتحاد الإنجليزي أن يتعامل بعد ذلك مع «فيفا» الفاسد على نحو سافر تحت قيادة جوزيف بلاتر؟ لا.

لا يمكنني أن آخذ لعبة رياضية أحبها على محمل الجد عندما لا يمكنني أن أثق بما أراه بعيني. كنت أشعر بالحيرة حيال سبب تغيير لاعبين في اللحظات الأخيرة في مباريات كرة القدم، حتى قيل لي إنه يتعلق بحصول اللاعبين على نسبة مالية من المشاركة في المباريات. وتبين كذلك أن بعضا من جوانب لعبة الكريكيت مثل فشل بعض اللاعبين في الإمساك بالكرة، كانت أعمالا مدفوعة الأجر. وكيف نجحت قطر في استضافة كأس العالم خلال الصيف، أم كيف استضافت روسيا دورة ألعاب أوليمبية شتوية؟ يستطيع المرء أن يخمن الإجابة. هل سنعرف قريبا أن الحكام يتلقون رشوة لاحتساب ركلات الجزاء غير الصحيحة التي تحسم معظم مباريات الرغبي؟

تعاني الإدارة الخارقة من مصيبة عدم المحاسبة. لا أحد مسؤول أمام أحد. يرتفع مد من الأموال ليغطي كل الخطايا. كذلك يضرب غياب المحاسبة الأمم المتحدة وجميع هيئاتها، كما تضرب الاتحاد الأوروبي، والمؤسسات الدينية والمؤسسات الخيرية الدولية. لكن الرياضة تتضرر بشكل خاص بغياب المحاسبة لأنها تغرق في أموال البث التلفزيوني، والمجد الذي تجلبه الهيبة السياسية بفعل الانتصار العالمي.

أشار جورج أورويل الصحافي والروائي البريطاني إلى الرياضة باعتبارها «تميل إلى الكراهية، والغيرة، والمفاخرة، وعدم الاحترام لكل اللوائح والمتعة السادية لمشاهدة العنف»، وكان يكتب في الوقت الذي كانت لا تزال فيه لعبة هواه. أما الآن، وقد دخل فيها عنصر المال، فلقد كان لزاما على كاميرون أن يدق أبواب جوسيب بلاتر، ويسبغ على رؤساء اللجنة الأولمبية الدولية الشرف الاستثنائي باستخدام الطرق الأولمبية في أنحاء لندن. قد تزعم المنظمات الغامضة أنها تتبع قواعد أخلاقية. لكن لماذا تراعي هذه المنظمات مثل هذه القواعد؟ عندما أطيح بروسيا من أولمبياد 2016، انتقمت موسكو بالسلاح الجديد المتعلق بالنزاع الدولي، واختراق البريد الإلكتروني وتسريب السجلات الصحية. كان لا بد لهذا أن يحدث زلزالا باللجنة الأولمبية الدولية.

تدار هذه المنظمات عن طريق مجموعات دائمة تدعمها مجموعات أخرى دائمة في ملاذات ضريبية في دول أعضاء. تصدعت أركان «فيفا» العام الماضي فقط عندما جمعت وسائل الإعلام ما يكفي من الأدلة لكي تتحرك الشرطة السويسرية، بالإنابة عن السلطات الأميركية، للقبض على مسؤوليه لتورطهم في عمليات «تربح واحتيال وغسيل أموال وفساد» على مدار عدة عقود. لا يمكن للاتحاد الإنجليزي أن يكون غير مدرك لرائحة الفساد الكريهة التي تفوح من «فيفا».

وما دامت المكافآت المالية والسياسية للرياضة الدولية بقيت بمثل هذا التضخم، فمن المشكوك فيه أن قواعدها ستكون نظيفة بحق يوما ما. لم تقم اللجنة الأولمبية الدولية بعد بالقضاء على عمليات الاحتيال في رياضاتها وربما لن تقوم بهذا أبدا. إن مفهوم ما يعنيه العقار المنشط ودوره في تعزيز الأداء يتغير باستمرار. وسيكون العزاء بالنسبة إلى رياضة نزيهة أو بلد يتحلى بالنزاهة والأمانة، هو رفض المشاركة في حفلات الفساد الدولية هذه. عليهم أن يلعبوا «مباريات ودية» وانتظار فرصة أن يدخل «فيفا» واللجنة الأولمبية الدولية يوما ما في صراع ديكة ومعركة تكسير عظام. والدرس هنا ألا تثق بحاكم لا يمكنك إزاحته بالانتخابات.

بدا أن الجميع في «شارع كرة القدم» يعرف ما كان يتحدث عنه ألاردايس. كل ما هنالك أنهم لم يريدوا لذلك أن يصبح معرفا لآخرين. ولطالما انغمس هؤلاء الأشخاص في جشع الرياضة الدولية، فإن الإحراج هو العقوبة التأديبية الوحيدة التي سيعترفون بها. ولهذا هم لا يخشون بحق إلا الصحافي الاستقصائي.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا