الارشيف / الخليج العربي / صحف السعودية / صحيفة سبق اﻹلكترونية

"سبق" تستعرض القصة الكاملة لأسوأ أزمتين في العلاقات بين السعودية وأمريكا قبل "جاستا"

حبستا الأنفاس.. تجميد نفط وصواريخ نووية وسحب سفراء

 أزمتان كبيرتان وقعتا بين الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية، حبستا أنفاس العالم، وكادتا تتطوران لحروب مدمرة، قبل قانون "جاستا"، لكن حنكة السعودية ودرايتها الكاملة بالتعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية ساهمتا في تجاوز الحليفين التقليديَّيْن هاتين الأزمتين الخطيرتين، وعادت العلاقات بين البلدين إلى سابق عهدها، وتطورت ونمت العلاقات مجددًا.

اندلعت شرارة الأزمة الأولى في عهد الملك فيصل عندما واصلت أمريكا وأوروبا دعم الهمجية الإسرائيلية بكل الأساليب العسكرية، وساهمت في تدعيم احتلالها فلسطين، وتشجيعها خوض حرب مع العالم العربي بدعم كامل من الغرب.

وبحسب كتاب (المملكة العربية السعودية وقضية فلسطين)، الذي ألَّفه عبدالفتاح حسن أبوعلية ورفيق شاكر النتشه عام 1998، ونشرته مكتبة الملك عبدالعزيز في الرياض، وطالعته "سبق"، فقد: "ظلت سياسة المملكة العربية السعودية ثابتة منذ حرب عام (1387هـ - حزيران 1967م) حتى حرب رمضان (1393هـ - أكتوبر 1973م) تجاه مسألة الاستخدام الإيجابي للنفط في تنفيذ التزاماتها بدعم دول الصمود من عائدات النفط. وعندما نشبت حرب رمضان عام (1393هـ- أكتوبر 1973م) تطور موقف المملكة العربية السعودية اتجاه استخدام النفط في المعركة بصورة أكثر تأثيرًا في الدول المستهلكة للنفط".

 

"الواشنطن بوست" تعلق على خطوة الملك فيصل

وبحسب الكتاب "فقد بدأت السعودية على ضوء سياسة الملك فيصل النفطية بتقليص إنتاج النفط إلى 10 %، وإضافة إلى هذه الخطوة صرح وزير النفط السعودي للولايات المتحدة الأمريكية بأن المملكة العربية السعودية لن تزيد إنتاجها الحالي من النفط ما لم تبدل واشنطن موقفها المؤيد لإسرائيل". وأشارت صحيفة "واشنطن بوست" التي نشرت الخبر إلى أن هذه هي أول مرة تربط فيها السعودية علنًا بين تصدير نفطها إلى الولايات المتحدة الأمريكية وسياسة واشنطن في الشرق الأوسط.

وفي مقابلة مع محطة التليفزيون الأمريكية N. B. C ، أُجريت مع الملك فيصل في 16 جمادى الآخرة "1393هـ - 16 يوليو 1973م"، وبُثت في 7 رمضان - 4 أكتوبر، عبَّر الملك فيصل عن خشية بلاده من أن تؤثر سياسة الولايات المتحدة المساندة لإسرائيل في علاقاتها بالمملكة العربية السعودية. وهدد صراحة باستخدام سلاح النفط قائلاً: "إننا لا نرغب في فرض أية قيود على صادراتنا من النفط إلى الولايات المتحدة، ولكن - كما ذكرت - فإن الولايات المتحدة بدعمها الكامل للصهيونية ضد العرب تجعل من استمرار تزويدنا حاجات الولايات المتحدة أمرًا بالغ الصعوبة".


تجميد النفط بشكل كامل

وأوضح الملك فيصل لجريدة النهار البيروتية نقلاً عن مقتطفات من الكتاب أن أمريكا هي التي تقوي إسرائيل، وتجعلها ترفض السلام، وأنها المسؤولة عن تصحيح الوضع، وعندما لا تستجيب لهذا الطلب فإن السعودية ستنظر في موضوع تخفيض إنتاج النفط أو تجميده من زاوية مصالحها الذاتية المجردة. وعندما اندلعت الحرب العربية الإسرائيلية في رمضان 1393هـ / أكتوبر 1973م وضع الملك فيصل الجيش السعودي على أهبة الاستعداد لمواجهة ظروف المعركة، وأرسل رسالة عاجلة مع السيد عمر السقاف وزير الدولة للشؤون الخارجية في 14 رمضان 1393هـ / 10 أكتوبر 1973م إلى كل من دمشق والقاهرة؛ إذ أعرب السقاف للبلدين الشقيقين عن وقوف المملكة العربية السعودية بكل إمكاناتها إلى جانب الأشقاء العرب.

واستمرت السياسة الأمريكية في تجاهل طلبات كل أصدقائها العرب؛ فقامت علنًا بدعم الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية. ولما أقامت جسرًا جويًّا لتزويد إسرائيل بالسلاح في حرب عام 1393هـ / 1973م عمدت السعودية وسائر البلاد العربية إلى اتخاذ إجراءات أكثر حزمًا؛ فأعلنت البلاد العربية تباعًا وقف ضخ النفط إلى الولايات المتحدة، ومن ثم إلى هولندا التي اتخذت موقفًا مواليًا لإسرائيل. كما فرض حظر تصدير النفط الخام إلى جميع معامل التكرير التي تصدر مشتقات النفط إلى الولايات المتحدة الأمريكية، أو بيعها إلى الأسطول البحري الحربي الأمريكي.

وأوضح الكتاب أن أمريكا أرسلت وزير خارجيتها هنري كيسنجر لمقابلة الملك في 13 شوال 1392هـ / 8 نوفمبر 1973م؛ ليتباحث مع الملك في ثلاث نقاط أساسية: النفط، القدس وشؤون فلسطين والفلسطينيين. وأكدت مصادر صحفية أن الملك فيصل أصر على عروبة القدس آنذاك.


صواريخ الشرق النووية

أما الأزمة الثانية فهي قضية صواريخ رياح الشرق بعيدة المدى القادرة على حمل رؤوس نووية، وهي أزمة كانت لا تقل خطورة عن أزمة إيقاف تصدير النفط؛ إذ هددت إسرائيل بالقيام بعمل عسكري منفرد، لكن السعودية ردت بأنها سترد بصرامة على أي خطوة إسرائيلية، وهو ما سيؤدي إلى اندلاع حرب كاملة، تحرق المنطقة. وبحسب كتاب مقاتل في الصحراء، الذي ألَّفه الأمير خالد بن سلطان، والذي صدر عام 1996، يحكي فيه الأمير القصة بالقول: "خلال الثمانينيات استغلت الحكومة السعودية الأوضاع العالمية المتوترة في الحروب بين السوفييت والأفغان من جهة، وبين العراق وإيران من جهة أخرى، وانشغال الـ CIA بعمليات التجسس على تلك البلدان، بتوقيع صفقة تسلح مع الحكومة الصينية (الند التقليدي للولايات المتحدة) في صفقة قدرت قيمتها بين 2 إلى 3.5 مليار دولار لتزويد السعودية بصواريخ CSS-2 ، وإنشاء قاعدة لذلك الغرض، ووجود 1000 مهندس صيني لمساعدة السعودية على بناء القاعدة وقيادة تلك الأسلحة، كما بدأت برنامجًا لتدريب ضباط سعوديين على استخدام تلك الصواريخ في برامج تدريب مع الصين. كما أن تلك الصفقة تأتي ردًّا صاعقًا على رفض الولايات المتحدة بيع صواريخ كروز من طراز Lance التي يصل مداها إلى 150 كيلومترًا تقريبا بحجة أنها تشكل تهديدًا لـ"أمن إسرائيل".


ضباط ملتحون في قاعدة نووية

ويضيف الأمير: "في عام 1988 قيل إن الاستخبارات الأمريكية اكتشفت تلك الصفقة بعد أن شاهد ضابط أمريكي عبر الأقمار الصناعية رجالاً ملتحين في قاعدة نووية صينية؛ ما جعله يعتقد أنهم ضباط إيرانيون؛ لأن اللحية مظهر غير مألوف في الصين، إلا أن الأمريكيين أُصيبوا بالذهول بعد أن علموا بأن أولئك الملتحين هم ضباط عسكريون سعوديون. وتم نشر حدث صفقة الصواريخ البالستية السعودية في وسائل الإعلام الأمريكية، واتهم (أصدقاء إسرائيل) في الغرب السعودية بأنها قلبت ميزان القوى في الشرق الأوسط، وصرح تشارلز ردمان المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية بأن (حصول السعودية على تلك الصواريخ لا يخدم قضايا السلام والاستقرار في المنطقة)، واستمرت الضغوط الأمريكية والمطالبات الأمريكية المستمرة بتفتيش الصواريخ للتأكد من عدم وجود أسلحة نووية بها، إلا أن الملك فهد - رحمه الله - رفض تلك الضغوط، وتم استدعاء السفير الأمريكي هيوم هوران من المملكة. وجاء الرد السعودي والصيني القاطع بعدم السماح مطلقًا بأي تفتيش لتلك الصواريخ، كما تكتمت الحكومة السعودية على مكان وجود تلك الأسلحة، وكادت تتحول القضية إلى مشكلة كبيرة بين العلاقات السعودية - الأمريكية، ثم عادت العلاقات بعد ذلك بجهود الأمير بندر بن سلطان، الذي كان له دور محوري في تبديد مخاوف الأمريكان".


قانون جاستا

وربما سيكون قانون جاستا بداية أزمة خطيرة ثالثة بين البلدين، لكن حنكة قادة المملكة العربية السعودية طوال عقود مضت ستنجح في تجاوز الأزمة، وسيتصدى لها رجال السعودية الأوفياء، وستتحول المحنة إلى منحة، وسيستمر التحالف بين البلدين لإيجاد توازن مهم في المنطقة. 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا