الارشيف / أسواق / الرياض

التركيبة السكانية والخبرة الإنتاجية

تعاني دول مجلس التعاون من خلل خطير في التركيبة السكانية، وهذا الخلل يتفاوت بين بلد وآخر، وتأتي دولة الامارات العربية المتحدة على رأس قائمة دول مجلس التعاون من حيث ارتفاع نسبة الوافدين، ففي دبي تصل قلة اليد العاملة الوطنية إلى درجة أنهم لا يشكلون أكثر من واحد من بين كل 23 عاملاً نشطاً، وبصفة عامة فإنه باستثناء المملكة وعمان فإن نسبة الوافدين لدى بقية جيراننا في المجلس تتعدى 50% من إجمالي السكان، ففي قطر التي تأتي بعد الامارات من حيث قلة عدد السكان الأصلين يشكل الوافدون نسبة 86%. كذلك الكويت التي وإن كان وضعها أفضل إلى حد ما من هذه الناحية، فإن بنسبة الوافدين تبقى مرتفعة وتصل إلى 70% من إجمالي سكانها.

ولذلك فليس هناك أفضل من الوقت الراهن لإجراء تصحيح على ذلك الخلل، فانخفاض العائدات النفطية قد أدى مثلما نرى إلى تقليل الإنفاق الحكومي وترشيده، وهذا بدوره أثر على الإنفاق الاستثماري للقطاع الخاص، ولهذا نلاحظ أن الشركات قد بدأت تقلص عدد العاميين فيها، وهذه ظاهرة ليست كلها سلبية، فالفرصة قد أصبحت مواتية الآن ربما أكثر من أي وقت مضى لحل مشكلة الخلل في التركيبة السكانية في بلدان المجلس، خصوصاً إذا ما حصلت هذه المسألة على الدعم القانوني المناسب والأطر النظامية المساعدة على ذلك.

إذا ليس بالضرورة أن يتم تصحيح الخلل عبر الاستغناء عن القوة العاملة الأجنبية فقط وإنما من خلال التجنيس أيضاً، على أن يتم ذلك بصورة مدروسة وممنهجة بهدف الحصول على المعرفة الإنتاجية وذلك على غرار بنغلادش: عندما أرسلت شركة ديش لصناعة الملابس والنسيج البنغلادشية 126 من موظفيها للتدرب في كوريا الجنوبية لمدة ستة أشهر، فهذا العدد القليل بعد حصولهم على المعرفة والخبرة الإنتاجية أحدثوا بعد عودتهم إلى بلدهم نقلة نوعية ليس فقط في أداء شركة ديش وإنما في كافة صناعة النسيج، فبفضل هؤلاء الـ126 تحولت بنغلادش من بلد صناعي هامشي إلى واحدة من نمور صناعة الملابس في العالم.

إن بلدان مجلس التعاون يمكن أن تحصل على الخبرة والمعرفية بأقل التكاليف، فهي ليست محتاجة حتى إلى أرسال أحد إلى كوريا لاكتساب تلك الخبرة، فبين ظهرانينا فيض من اليد العاملة الوافدة الماهرة التي اكتسبها بعضهم في بلداننا، وأنا أكثر من مرة أشرت إلى أن منطقة الخليج قد أصبحت منذ زمن محطة لتدريب اليد العاملة الأجنبية، فهناك الكثير من الوافدين الذين حصلوا على معارفهم الإنتاجية في مصانعنا وشركاتنا في دبي والدمام والأحمدي وغيرها.

وعليه فقد آن الأوآن ليدرب شبابنا من تدرب لدينا، وذلك من خلال السماح لذوي الخبرة بإنشاء شركاتهم ومصانعهم وكذلك عبر السماح بممارسة النشاط للشركات والمصانع التي أنشئت دون تراخيص مسبقة، على أن يتم هذا ضمن ضوابط على رأسها تدريب اليد العاملة الوطنية وإكسابها للخبرة الإنتاجية، فهذا من شأنه أن يصحح التركيبة السكانية ويقلص اقتصاد الظل وظاهرة التستر، ولكن الأهم هو إطلاق العنان لأبناء البلد للعمل في تلك المجالات التي هي حتى اليوم حصر على غيرهم.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا