الارشيف / أخبار العالم / صحف مصر / التحرير

كابوس الـ«P.K.U».. مأساة أطفال «ممنوعين من الطعام» بسبب مرض نادر (صور)

  • 1/5
  • 2/5
  • 3/5
  • 4/5
  • 5/5

- رجب: «ابني لو أكل لحمة هيجيله تخلف عقلي أو يموت»
- مسئول بـ«الصحة»: «لا شفاء من المرض»
- 5 ملايين جنيه تكلفة «استقرار حالة واحدة» سنويًا

دقّ جرس "الفُسحة" في مدرسة منية الحيط الإعدادية، التابعة لمركز أطسا بمحافظة الفيوم، فهرول الجميع إلى "الكانتين" لشراء السندوتشات، عدا "حسين"، ذلك الطفل الذي لم ينس أبدًا مقولة والده "إياك تاكل أي حاجة.. لو أكلت هتموت"، متذكرا أنه مصاب بمرض نادر يدعى "P.K.U"، يُحرم بسببه من تناول أي من أنواع البروتين -حيواني ونباتي- حتى بلوغ 16 عامًا.

3089527975095326124

قصة "حسين"، دفعت محرر "التحرير" إلى التوجه لزيارة منزله في قرية "منية الحيط" بالفيوم، ليفاجأ بأن شقيقه الأكبر مصاب كذلك بالمرض نفسه.

"عماد وحسين تعبانين، وإحنا تعبنا ومش لاقيين حد يسمع صوتنا.. مش لاقيين نأكل عيالنا بمعنى الكلمة"، قال محمود أحمد، والد الطفلين المصابين، بنبرة يملؤها أسى، لافتا إلى أنه يعاني من عدم توافر الأطعمة الملائمة لأطفاله في محافظة الفيوم، وحتى إن توافرت تكون مصنعة بجودة منخفضة، حسب تعبيره.

وتابع: "العيال مابتعرفش تاكلها.. العيش لا يصلح للأكل والقرص الناشفة سيئة للغاية، وأيضًا المكرونة وطعام آخر يطلقون عليها كفتة الخضار، وهو عبارة عن خلطة مكونة من بعض الخضراوات لكن يتم إعدادها بعدم اهتمام وجودة شبه منعدمة".

أخبرنا والد "حسين"، بأن هناك مريضًا آخر بالقرية يدعى "أحمد"، فانتقلنا إلى منزله، وأكد والده رجب خلف، 42 عامًا، وهو يمسح بيده على رأس طفله المصاب: "ابني عمره سنتين.. ومحروم من أكل قائمة كبيرة من الأطعمة بأمر الأطباء.. ويحتاج إلى تحاليل دورية لمتابعة حالته.. الحكومة كانت بتعملنا التحاليل اللازمة مجانا وبعدين قالوا «التحاليل بتكون أول سنة فقط بالمجان وباقي السنين عليكم»".

2995966447865676986

وأشار "رجب" إلى أن الأطباء حذروه من تغيير النظام الغذائي لابنه أو إطعامه أيا من الأطعمة الأخرى، مشيرين إلى أنه قد يصاب بالتخلف العقلي حال تناول أي من الأغذية الممنوع عنه تناولها، وقد تسبب له الوفاة.

وأضاف: "يتم تغذية الطفل على أنواع خاصة من البسكويت والفطير أو المخبوزات وبعض أنواع الخضراوات"، مؤكدا أن بعض المتبرعين من الجمعيات الأهلية ورجال الأعمال يدعمون أحيانا توصيل هذه الأطعمة للأطفال المصابين، لكن هناك أزمة في ندرة الأغذية المتوفرة، لأسباب لا نعرفها".

واختتم في حزن: "الطفل مابيكونش مستوعب حالته، وخطورة مرضه، أحمد ممكن يخطف الأكل ويجري مني.. بيقعد معانا على صينية واحدة، وبيصعب عليّا أوي أشوفه بياكل أكل لوحده.. ومش عارف هعمل إيه لما يكبر ويروح المدرسة، إزاي هاخد بالي منه".

380215699876762844

زواج الأقارب
الدكتور محمد عبد المولى، أستاذ طب الأطفال، قال إن مرض "P.K.U" أو مرض «الفينيل كيتون يوريا» هو أحد الأمراض الوراثية المتعلقة بالتمثيل الغذائي، وقد يعتبر حالة من حالات الإعاقة العقلية المرتبطة بالتمثيل الغذائي، وتبدو المشكلة على شكل نقص في كفاءة الكبد على إفراز الإنزيمات الخاصة بعملية التمثيل الغذائي لحامض الفينيل، ما قد يؤثر على الجهاز العصبي المركزي للمصابين.

وأشار عبد المولى، إلى أن اكتشاف المرض مبكرًا يكون له أثره في الحفاظ على صحة المصاب من التدهور، فقد يتعرض الطفل المصاب إلى تشنجات أو تأخر عقلي، وربما الوفاة في حالات المرض المزمنة، والتي يتم اكتشافها في وقت متأخر، لافتا إلى أن المرض ينتقل عن طريق ما يعرف بـ"الوراثة المتنحية"، مشيرا إلى أن إنجاب الأسرة لطفل مصاب، يؤكد أن الأبوين حاملان للمورث (الجين) المسبب للمرض.

أستاذ طب الأطفال، أوضح في سياق حديثه، أن نسبة احتمال إصابة طفل آخر بنفس المرض هي «واحد من كل أربعة أطفال»، في كل مرة يحدث فيها إنجاب، بينما تزداد فرصة الإصابة في حالة زواج الأقارب، بالإضافة إلى العوامل الوراثية، وفي بعض الحالات قد تحدث الإصابة دون صلة قرابة، لكن النسبة ترتفع بشكل كبير في حالة زواج الأقارب.

وتؤكد حالة الطفلين المصابين "عماد وحسين"، ما قاله الدكتور محمد عبد المولى، إذ قال والدهما: "أنا متزوج من ابنة عمّي، لكن ابني محمد الكبير غير مصاب بالمرض، كما أن (أحمد) مصاب بالمرض رغم أن أبويه ليسا من الأقارب".

الاكتشاف المتأخر
"عندى أحمد ومريم، اكتشفنا حالة البنت بعد ولادتها مباشرة، وأخوها اكتشفنا حالته متأخر"، شردت "أسماء" بعيدا دون أن تنتبه لدمعات هطلت من عينيها قبل أن تشير إلى أن اكتشاف مرض طفلها بعد ولادته بـ3 أعوام تقريبا، ما تسبب له في مضاعفات صحية عديدة، منها تأخر النطق والمشي، إضافة إلى تأخر ذهني حاد.

تضيف "الأم": "ولادي محرومين من أنواع أكل كتير.. كل اللحوم والطيور والأسماك والبيض وكل ما يصنع من الدقيق والبقوليات والمكسرات، وشرب الحليب ومنتجات الألبان الأخرى، ومش بياكلوا غير بعض الخضراوات، ومخبوزات مصنعة خصيصا لحالتهم، والأزمة الأكبر إن الأكل اللي مسموح لهم بأكله وبنصرفه من المستشفيات المتخصصة بندوق الأمرين عشان نلاقيه".

1605273742699555524

ولفتت الأم إلى أن أحد المراكز الطبية المتخصصة بمحافظة الفيوم كان يوفر الأطعمة الخاصة لطفليها، من مخبوزات و"كفتة خضراوات"، ومكرونة بمواصفات علاجية خاصة، وأطعمة أخرى، غير أنه تم إغلاقه: "فاعل الخير اللي كان بنى المركز عشان يعمل الأكل للأطفال المصابين بالمرض مات وورثته منعوا التبرعات واتقفل".

في غضب استطردت والدة الطفلين، أن الحصة التي يتم صرفها إلى طفليها من الطعام المخصص لهما، لا تكفي وجباتهما اليومية، مشيرة إلى أنها تتعذب وهي تحاول توفير الطعام أو تخبئه بعيدا عن أعين صغارها، حتى لا ينفد الطعام قبل صرف حصتهما الجديدة.

وبعينين ملأتهما الدموع، قالت: «كفاية إننا بنتعذب لما ولادنا بيشوفوا الأطفال اللي في سنهم بياكلوا اللي هما عاوزينه أمام عنيهم.. وهما ممنوعين.. كمان هنعاني من قلة الأكل، وعدم جودته؟ أطفالنا بيكرهوا ياكلوا منه.. لكن بياكلوه غصب عنهم لما بيتعذبوا من الجوع.. ومستحيل نأكلهم غيره».

130 مليونًا تكلفة «علاج غير فعال»
مصدر مسئول في وزارة الصحة، أكد أن مرض الـ"P.K.U" لا شفاء منه، ولا يوجد له علاج فعال حتى الآن، لكن بعض الأدوية قد يكون لها فاعليتها في تحسين الحالة العامة للمرضى من الأطفال، لكنها لا تعتبر علاجا فعالا، مشيرا إلى أن بعض المستشفيات تقوم بصرف الألبان المخصصة لهذه الحالات بالمجان.

ولفت المسئول، الذي فضل عدم ذكر اسمه، إلى أن وزارة الصحة تكفلت بتوفير العلاج لعدد من الحالات بموجب أحكام قضائية، حيث تقارب تكلفة علاج الفرد الواحد "5 ملايين جنيه سنويا"، وهناك ما يقارب 26 طفلاً مصابا، يتم علاجهم على نفقة الدولة بموجب هذه الأحكام القضائية، وهو ما يكلف الحكومة قرابة 130 مليون جنيه سنويا لتوفير هذه الأدوية، والتي لا تعد علاجًا فعالًا للقضاء على هذا المرض، لكنها أدوية تساعد في تحسن الحالة العامة للمصاب فقط.

وأكد أن هذا الدواء يتم شراؤه بـ«الأمر المباشر» من الشركة الأجنبية المنتجة للدواء، وليس من سلطة وزير الصحة ذاته الموافقة على طلب شراء هذا الدواء، وهو ما يتطلب حصول المصاب على حكم قضائي، ثم إرسال موافقة رئاسة مجلس الوزراء لإتمام عملية الشراء بالأمر المباشر.

وأشار المصدر، إلى أن هناك أسرًا بها أكثر من مصاب، وقد يصل عدد المرضى إلى 3 حالات في الأسرة الواحدة، وهو أمر يحتاج إلى مراجعة وتوعية عاجلة، لا سيما أن هناك أسرا لا تبالي بإجراء التحاليل اللازمة قبل الإنجاب مرة أخرى، حتى بعد إنجابهم طفلا أو طفلين مصابين بالمرض، لافتا إلى أن معظم الأمراض النادرة لدى الأطفال تكون وراثية، وهو ما تكشفه التحاليل والفحوصات، لا سيما في حالة سابقة إنجاب طفل مصاب.

2155618558058844458

هل من سبيل؟
الدكتور عماد حمدي، الخبير الكيميائي، قال إن إجراء الفحوصات والتحاليل اللازمة للجنين بداية من الأسبوع العاشر قد يكون له أثره في الوقاية من أنواع الأمراض الوراثية النادرة.

وشدد على ضرورة انتباه الآباء والأمهات الذين سبق لهم إنجاب طفل مصاب، بإخبار الطبيب بهذا الأمر، حتى يقوم بإجراء فحص شامل لأمراض التمثيل الغذائي، كما يجب الانتباه عند وجود حالة مماثلة لدى أسر الأقارب، لأن احتمالية الإصابة تكون مرتفعة.

الخبير الكيميائي، أشار إلى أن وزارة الصحة بدأت خلال السنوات الماضية، في اتباع إجراء من شأنه فحص حديثي الولادة كافة عن طريق عينات دم تؤخذ منهم ويتم الكشف عن كميات الـ"فينيل ألانين"، والتواصل مع أهل المولود في حالة وجود إصابة بالمرض، وهو ما كان له أثره في اكتشاف المرض بشكل مبكر، فضلاً عن تقليل فرصة تدهور حالة الطفل المصاب.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا