أخبار العالم / صحف مصر / الدستور

التاريخ السرى لـ«سيد الأغنية الشعبية»

هذه شهادة رجل عاش التجربة وعرفها وتداخل فيها وكان موجودًا فى مطبخها منذ يومها الأول حتى مشهدها الأخير. عرف الشيخ إمام فى العام ١٩٦٠، وظل لصيقا به وصديقا له إلى يوم الوداع فى مثل هذه الأيام من العام ١٩٩٥. تعرف على أحمد فؤاد نجم فى بيت الأبنودى يوم كان أبو النجوم يشق طريقه كشاعر ليس له سوى ديوان واحد «عن تجربته الأولى فى السجن بتهمة التزوير» وكتابين عن كرة القدم، وشاءت الظروف أن يحضر اللقاء الأول الذى رتبته الأقدار بين نجم والشيخ إمام فى بيت سعد الموجى، فيخرج منه نجم إلى (حوش قدم) برفقة صديقه الجديد ليصنعا أهم تجربة مصرية فى الأغنية السياسية فى القرن العشرين.
وضعته يدُ الله فى التجربة، فكان زميلًا للشيخ إمام فى السجن، ولحن له الشيخ ٣٠ قصيدة وأغنية، وكان سببًا فى تعارف نجم وعزة بلبع، التعارف الذى أفضى إلى زواج، ويمكنك بلا مبالغة أن تعتبره أهم وثيقة حية تؤرخ لحياة وتجربة (مولانا).
وعندما يحكى الشاعر المناضل زين العابدين فؤاد عن (مولانا) فهو يتكلم من مقام العارفين، وما يرويه هنا ولنا هو شهادة (رفيق) عن (صديق)، تضيف جديدًا إلى تاريخ الشيخ إمام وتنصفه فى ذكرى رحيله وفى عام الاحتفال بمئوية ميلاده. هذه حكايات طازجة يرويها زين العابدين فؤاد نظن أنها ستعيد كتابة تاريخ شيخ الأغنية السياسية وعمدة (حوش قدم).

بدأ حياته الفنية «كورال» فى فرقة زكريا أحمد.. ورفض التلحين لـ«أم كلثوم»
لا يعرف كثيرون أن الشيخ إمام بدأ حياته الفنية «كورال» فى فرقة الشيخ زكريا أحمد، وكان يحفظ كل أغانى الشيخ زكريا عن ظهر قلب، وربما كان ذلك من أسباب محبة الشيخ زكريا له، فقد كان ينسى أحيانًا أحد ألحانه، فيجد إمام يذكّره به فورا، وتعرفى بالشيخ إمام كان سببه الشيخ زكريا، فقد كنت طالبًا فى جامعة القاهرة عام ١٩٦٠عندما جاءنا زميل يخبرنا بأنه عثر على «كنز»، شاب كفيف يحفظ كل أغانى سيد درويش، وكانت أغانى الشيخ سيد ممنوعة أو مغضوبًا عليها من زمن الملك فؤاد الذى اشترط ألا يكون للشيخ سيد أى ذكر فى أول مؤتمر للموسيقى العربية تستضيفه القاهرة سنة ١٩٣٢، غضبًا من أغانيه الوطنية المؤيدة لغريمه سعد زغلول، وظل المنع قائمًا لسنوات ممتدة، كادت فيها أغانى الشيخ سيد تندثر، وفوجئنا بأن إمام يحفظها بدقة مذهلة، وفوجئنا بأنه يحفظ أغانى الشيخ زكريا وكأنه هو ملحنها.
عمل إمام مع الشيخ زكريا لسنوات فى فترة تألق ألحانه مع أم كلثوم، ويظهر صوت إمام جيدًا مع الكورال المصاحب لأم كلثوم فى عدد من أغانيها التى لحنها الشيخ زكريا، منها «الأمل» مثلًا، ولأن الشيخ إمام كان يملك ذاكرة جبارة فمكنه ذلك من حفظ الألحان أثناء البروفات، وحدث مرة وهو يجلس مع أصدقائه على القهوة أن تسلطن فغنى لهم الأغنية التى ستغنيها أم كلثوم فى حفلها المقبل، ولأول مرة تتسرب أغنية لأم كلثوم قبل حفلها الشهرى، ولما عرف الشيخ زكريا أن إمام وراء هذا التسريب طرده من الفرقة!
المدهش أن إمام رفض التلحين لأم كلثوم فيما بعد، فعندما لمع نجم واسم الشيخ إمام ورفيقه أحمد فؤاد نجم، وردد الناس أغانيهما وتفاعلوا معها وبان تأثيرها، بالطبع كان هناك من يشعر بالقلق من انتشار هذه الأغانى الغاضبة المحرضة، وسعى هؤلاء إلى احتواء التجربة بإغراء وإغواء أصحابها، وكان من بين الإغراءات أن يكتب نجم أغنية لأم كلثوم يلحنها الشيخ إمام، لكنهما لم يستجيبا للإغواء.. وهنا لا بد من إنصاف رجل طالته الاتهامات رغم أياديه البيضاء على تجربة إمام ونجم.. فإلى الحكاية التالية..

اعترض على غناء ليلى نظمى لـ«جيفارا» و«بصراحة يا أونكل ميكى» تسببت فى اعتقاله
أشهدُ أن الناقد الراحل رجاء النقاش لعب دورًا مهمًا فى التعريف بالشيخ إمام وتقديمه للحياة الثقافية والفنية ونشر ألحانه على المستوى الجماهيرى من خلال الإذاعة المصرية.. أقوى وسيلة إعلام فى ذلك الحين.
كان مخلصًا فى حماسه للشيخ ولموهبته، كما كان أيضًا يبشر بالمواهب الحقيقية وتقديمها، فعلها مع محمود درويش وشعراء المقاومة الفلسطينية، وفعلها مع الطيب صالح، وفعلها معى شخصيا عندما قدمنى كشاعر شاب من خلال الإذاعة عام ١٩٦٢، ومن هذا المبدأ تحمس للشيخ إمام وقدمه فى الإذاعة وعمل له برنامجا رمضانيا يوميا يذيع فيه ألحانه.
ثم نظم له حفلًا كبيرًا فى نقابة الصحفيين عام ١٩٦٨ دعا إليه كل الوسط الثقافى ليتعرفوا على ظاهرة الشيخ إمام، كما جاء بكل نجوم الطرب وقتذاك ليغنوا أغانى الشيخ إمام: رشدى وفايدة كامل وليلى نظمى وغيرهم، وأذكر هنا واقعة طريفة، فعند التحضير لهذا الحفل، جاءت المطربة الشعبية ذائعة الصيت وقتها ليلى نظمى إلى الشيخ إمام تستأذنه أن تغنى أغنية (جيفارا) التى كتبها نجم فى رثاء المناضل الشهير ولحنها الشيخ ولاقت صدى طيبا فى أوساط المثقفين وكتبت عنها الصحافة «الحارة المصرية تغنى لجيفارا».. لكننا فوجئنا برفض شديد من الشيخ إمام لطلب ليلى نظمى، وتعصب الشيخ و«عصلج» بطريقة لم نعهدها فيه، وقال: على جثتى إنها تغنيها!. ولم نفهم السر، وأصر الشيخ أن يغنيها بنفسه فى الحفل..!
أما اعتقال إمام ونجم بعدها فلم يكن لرجاء يد ولا دخل فيه، بل بسبب ما اعتبرته السلطة تجاوزا لا يمكن السكوت عنه، خاصة ثلاث أغنيات تعدت الخطوط الحمراء من وجهة نظرهم: الأولى: الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا، وكانت كلماتها تحمل سخرية واضحة من المتسببين فى هزيمة يونيو، والثانية: كلب الست، وما بها من تجاوز فى حق السيدة أم كلثوم بكل ما كان لها من سطوة ونفوذ وصلة بالنظام.. والثالثة: بصراحة يا أونكل ميكى.. التى كان الجميع يعرف أن المقصود بها الأستاذ هيكل.. الصحفى الأول فى زمن عبدالناصر.
أنا نفسى كانت لدىّ اعتراضات على أغنية «الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا» واحتراما لموقفى كان الشيخ إمام لا يغنيها فى حضورى، هى وأغنيتان أخريان: «شقع بقع» التى كان يستفزنى تحديدًا فيها جملة «يا شعب ثور داهية تسمك»، وأغنية أخرى تقول «لما قامت مصر قومة بعد ما كانت فى نومة»، وأبديت مرة اعتراضى على الأغنية الأخيرة فسألنى نجم: طيب عاوزنا نقول إيه؟، فاقترحت تعديلها إلى «لما قامت مصر قومة بعد ما ظنوها فى نومة»، وغناها الشيخ إمام بعد ذلك بالتعديل الذى اقترحته.
وأذكر أننى تدخلت بالتعديل فى بعض أغانى الشيخ وهو يلحنها، مثلًا أغنية «البحر بيضحك ليه» من كلمات نجيب سرور، كنت حاضرًا لتلحينها، ولما وصل إلى المقطع الذى يقول «فى إيدى ناى والناى مكسور» توقف، وأبدى اعتراضًا على الجملة وقال: لما الناى مكسور طب نغنى ليه وإزاى.. إيه اليأس ده؟. قال لى نجم يومها: محدش يقدر يغير فى شعر نجيب سرور غيرك!، فعدلت الجملة إلى «فى إيدى عود قوّال وجسور»، وغناها الشيخ هكذا فى الأغنية، ولما قابلنى نجيب سرور بعدها بادرنى بوصلة من الشتائم، ولما شرحت له السبب اقتنع بكلامى، لكن بعد موت نجيب كنت أطلب من كل من يغنى الأغنية أن يلتزم بالنص الأصلى من باب الأمانة، وهناك من يغنى الأصل والتعديل معًا كحل يرضى جميع الأطراف.

هزم الحشيش والأفيون بشعار «علشان نحسن صورة المطربين»
هذه حكاية أحكيها لأول مرة لكى أدلل على الإرادة الحديدية التى كان يملكها الشيخ إمام.. فى سنة ١٩٦٧ اتخذ الشيخ قرارًا بأن يمتنع عن تعاطى «الأفيون»، اتخذه دون استشارة طبيب ودون الرجوع لأحد، وراح يقاوم تأثيره فى صمت، وحصلت له أعراض «انسحاب» بسبب التوقف المفاجئ، وتعرض لمضاعفات شديدة كادت تقضى على حياته، لكن إرادته كانت أقوى، ولم يلمس الأفيون بعدها حتى وفاته.
وفى سنة ١٩٧٦ جاءنى ذات يوم وهمس لى: عايزك، ولما أصبحنا لوحدنا كاشفنى: عاوز أبطل الحشيش كمان!، وقررت أن أُخفى الشيخ لمدة شهر بعيدًا عن قعدات الحشيش حتى ينساه، وأخذته إلى بيت صديقنا أحمد سيد حسن «الصحفى اليسارى بجريدة الأهالى حينها ووالد الفنانة بسمة»، وهو شاهد حى على تلك الواقعة وكانت ابنته بسمة حينها عمرها شهور و«خبيت» الشيخ إمام هناك، ولم يعرف أحد بمكانه بمن فى ذلك نجم، الذى كان يشعر بأننى أعرف مكان الشيخ فيسألنى بإلحاح عنه.
كان الشيخ لديه إحساس بأن الحشيش يمكن أن يؤثر فى صوته ويُفقده رأسماله، وتملكه هذا الهاجس، وكنت فى فترة الاختفاء الاختيارى أذهب إليه كل ليلة وأحاول طمأنته على صوته عمليا، فكنت أستفزه: فاكر لما غنيت لى مرة «أنا هويت وانتهيت»، يرد بثقة: آه طبعًا، فأواصل استفزازه: شكلك نسيتها.. العود آهوه سمّعنا، فيمسك عوده ويتسلطن ويغنى الأغنية وهو لا يعرف أن هناك جهاز تسجيل بجواره، وما إن ينتهى أداعبه: طيب أنا ح أسمعك حتة مطرب سيد سيدك يغنى الأغنية أحسن منك، وأدير جهاز التسجيل فتنفرج أساريره حين يتأكد أن صوته ما زال بنفس القدرة والعافية.
وفى اليوم التالى يدهمه الهاجس من جديد، فيغنى أغنية جديدة ونسمعه صوته، وهكذا طيلة الشهر، وكنت حريصًا على أن أسجل له ما يحفظه من تراث موسيقى نادر، وفى يوم جاءنى نجم وهو فى غاية العصبية: إحنا اتفقنا على سهرة عند د.محمد شعلان «أستاذ الطب النفسى الشهير» وحيكون فيها شخصيات مهمة مثل «د. محمد أبوالغار» ولازم إمام يكون موجودًا.. قلت له مُطمئنا: إمام حيكون عندكم فى الميعاد.. وغنى الشيخ إمام ليلتها لأول مرة دون حشيش.
ومن حينها وأنا فخور أننى ساعدت الشيخ إمام على الإقلاع عن الحشيش والأفيون، وكان هو فى منتهى السعادة ويقول: علشان نحسن سمعة المطربين.. الناس فاكره إننا حشاشون.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا