أخبار العالم / صحف مصر / الدستور

قتلوه فى الزنزانة!


السجين الذى لقى مصرعه، الثلاثاء، فى أحد السجون الأمريكية، لم يكن سجينًا عاديًا أو مجرد زعيم عصابة مافيا. فقد ظلّ «وايتى بولجر» لأكثر من ٢٠ سنة يمارس الإجرام تحت حماية مكتب التحقيقات الفيدرالى الأمريكى، الـ«FBI»، وربما كان يتعاون أيضًا مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية!
صدرت عنه عشرات الكتب، ولعب دوره اثنان من أهم وأشهر نجوم هوليوود فى فيلمين، أخرجهما اثنان من أكبر مخرجيها، وبسببه تفجرت فضيحة «مخبرى المافيا» المعروفة باسم «فضيحة بوسطن»، التى كشفت عن أن مكتب التحقيقات الفيدرالى، فى واشنطن، كان يعرف أن عملاءه فى بوسطن يتعاونون مع زعماء عصابات المافيا ويوفرون لهم الحماية. وفى ديسمبر ٢٠٠٢ عقد روبرت مولر، مدير الـ«FBI» وقتها، مؤتمرًا صحفيًا أعلن فيه أنه قرر إعادة هيكلة المكتب. ولعلك تعرف أن «مولر» يرأس حاليًا لجنة التحقيق الخاصة بمزاعم التدخل الروسى فى انتخابات الرئاسة الأمريكية.
جيمس جوزيف «وايتى» بولجر، المولود فى ٣ سبتمبر ١٩٢٩، لأبوين من أصول أيرلندية، هو أحد أشهر رموز الجريمة المنظمة فى الولايات المتحدة، وزعيم عصابة «وينتر هيل». وهو أيضًا الشقيق الأكبر للسيناتور ويليام مايكل بولجر، القيادى البارز فى الحزب الديمقراطى، الذى كان عضوًا بمجلس الشيوخ، وكان رئيسًا لجامعة ماساتشوستس، فى ٢٠٠٣، حين أجبره ميت رومنى، حاكم ولاية ماساتشوستس وقتها، على الاستقالة بعد ثبوت تواصله مع أخيه الذى كان قد بدأ فى ٢٣ ديسمبر ١٩٩٤، رحلة هروب طويلة.
نشأ «وايتى» فى ولاية بوسطن، وبدأ نشاطه الإجرامى مبكرًا مع عصابة «شامروكس»، Shamrocks، التى تخصصت فى سرقة السيارات ثم سرقة البنوك. وقبل أن يتم الرابعة عشرة أودع فى إصلاحية للأحداث. وسنة ١٩٥٦ حوكم بأول تهمة فيدرالية عن جريمة سطو مسلح، وتم خلال السنوات التسع التى قضاها فى السجن أخضعته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية مع ١٨ سجينًا آخرين لبرنامج بحثى، وضعه سيدنى جوتليب، Sidney Gottlieb، عالم الكيمياء فى الوكالة، يختبر تأثير مركبات كيميائية على العقل البشرى، وإمكانية استخدامها للتحكم فيه!
لاحقًا، قال «وايتى» إنه وزملاءه المساجين وقعوا ضحية خداع كبرى من المخابرات لأنها أوهمتهم أن البرنامج يستهدف علاج مرضى انفصام الشخصية. ولا يعنينا من ذلك غير أن «وايتى» بعد إطلاق سراحه، بدأ يتعاون مع رجال الـ«FBI»، وساعدهم فى الإطاحة بعصابات إيطالية، خاصة عصابة عائلة «باترياركا»، فى مقابل حصوله وأفراد عصابته على الحصانة والحماية. وبسقوط تلك العصابات قامت عصابة «وينتر هيل» بملء الفراغ الذى تركته، وسيطرت على الجريمة المنظمة فى منطقة بوسطن كلها.
التعاون ظل مستمرًا، حتى عرف «وايتى» من أحد رجال الـ«FBI» أنهم قرروا الإيقاع به، فاختفى عن الأنظار لمدة ١٦ سنة، كان اسمه خلالها فى قائمة أهم عشرة مطلوبين فى الولايات المتحدة الأمريكية. ورصدت السلطات الأمريكية جائزة قدرها ٢ مليون دولار أمريكى لمن يدلى بمعلومات تساعد فى إلقاء القبض عليه. وبالفعل حصلت عليها، فى ٢٢ يونيو ٢٠١١، آنا يورنستدر، الممثلة وعارضة الأزياء السابقة، التى كانت تعيش فى حى سانتا مونيكا (غرب لوس أنجلوس)، حيث أقام «وايتى» لسنوات طويلة مع صديقته كاترين جريج، باسمين مستعارين.
مع حكمين، اثنين، بالسجن مدى الحياة، قضت محكمة بوسطن، فى ١٤ نوفمبر ٢٠١٣، بسجنه ٥ سنوات، وبأن يدفع ١٩.٥ مليون دولار تعويضًا لأسر ضحاياه، و٢٥.٢ مليون دولار أخرى للحكومة الأمريكية، لإدانته بارتكاب ١٩ جريمة قتل وغسل الأموال وحيازة أسلحة.. إلخ. ومع أنه كان قد تجاوز الرابعة والثمانين وقت صدور الحكم، وأتم التاسعة والثمانين فى سبتمبر الماضى. ومع أنه كان يعانى من أمراض لا حصر لها، إلا أنه لم يجد قلوبًا خضراء كتلك التى تشنجت و«تشتحفت»، هنا، وطالبت بالإفراج عن مهدى عاكف، المرشد السابق لتنظيم الإخوان الإرهابى!
علاقته «وايتى» بـالـ«FBI» استعرضها ديك ليهر وجيرار ك. أونيل، بقدر من التفاصيل، فى كتاب «القدّاس الأسود»، Black Mass الذى تحول سنة ٢٠١٥ إلى فيلم بالاسم نفسه، أخرجه سكوت كوبر، وقام ببطولته جونى ديب. أما علاقته بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية فظهرت فى فيلم «الراحلون»، The Departed، الذى أخرجه مارتن سكورسيزى، سنة ٢٠٠٦، وقيل إن شخصية جاك نيكلسون فى الفيلم تطابقت مع شخصية وايتى فى الواقع. وربما كانت الوكالة هى التى دفعته إلى توريد أسلحة إلى الجيش الجمهورى الأيرلندى، المعادى للحكومة البريطانية، والذى تعتبره واشنطن منظمة إرهابية!
لأسباب غير معروفة (أو غير معلنة) تم نقل «وايتى» من سجن كولمان بولاية فوريدا، إلى سجن هازيلتون، غرب ولاية فرجينيا، ليجده الحراس مقتولًا فى زنزانته، بعد ساعات من وصوله إلى ذلك السجن الذى شهد ثلاث جرائم قتل خلال الشهور السبعة الماضية!

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا