الارشيف / الخليج العربي / صحف قطر / العرب القطرية

النعمة: يزداد التكفير عن الخطايا بازدياد الأمراض والمصائب

النعمة: يزداد التكفير عن الخطايا بازدياد الأمراض والمصائب

قال الشيخ عبدالله النعمة، خلال خطبة صلاة الجمعة جامع محمد بن عبدالوهاب، لم يجعل الله الدنيا، دار بقاء وقرار، وإنما جعلها دار انتقال وبلاء واعتبار، يخرج فيها الولدان صغاراً لا يميزون، ثم يبلغون فيكلفون، ثم يشيبون، ثم يهرمون، ثم يموتون فيحاسبون، ومنهم من لا يدرك الهرم ولا الشباب، وكل ذلك تقدير الحكيم العليم.
أضاف: «خلال هذا العمر الذي قضاه الإنسان في الدنيا عاش فيه تقلبات وأحوالاً، كم فرِح وكم حزنَ! وكم ضحك وكم بكى! داخلته المسرات، وخالطته المحزنات، مرت به فتراتٌ ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، حتى تمنى يومها أنه لم يخلق أبداً، ثم اتّسعت عليه حتى ظن أنه أسعد السعداء.
وقال: إن الدنيا في تقلباتها وأحوالها والمؤمن يدرك الحكمة من ذلك، فيصبر في الضراء، ويشكر في السراء، ويعلم أن الكل من عند الله، فيثاب على شكره ويؤجر على صبره، ومن نعمة الله تعالى على عباده المؤمنين أنه إذا ابتلاهم رزقهم الصبر والرضا حتى ينالوا الجزاء الأوفى، وقد ثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ومن يتصبر يصبره الله) وفي حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله تعالى ينزل المعونة على قدر المؤنة وينزل الصبر على قدر البلاء) فما من غمّ يغتمه المسلم، ولا هَمّ يهتمه ولا مرض يصيبه، ولا شيء ينال منه إلا كان فيه مأجوراً، فالعبد دائم العصيان، كثير النسيان، لا يكاد ينفك عن الذنوب والخطايا، فمن رحمة الله تعالى ‏بعباده أن جعل هذه الأمراض والمصائب مخففات على العبد، مقللات لذنوبه، فيها تكفير للخطايا، ورفعة للدرجات، وزيادة في الحسنات.
تكفير الخطايا
وفي حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما يمرض مؤمن ولا مؤمنة، ولا مسلم ولا مسلمة، إلا حَطَّ الله بذلك خطاياه كما تنحط الورقة من الشجر).
ويزداد هذا التكفير للخطايا بازدياد الأمراض والمصائب، حتى لا يدع خطيئة إلّا محاها، فيموت المؤمن حين ‏يموت وهو نقي من الذنوب والأوزار. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده وماله ونفسه حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة).
ينضم إلى تكفير الخطايا: زيادة الحسنات، ورفع الدرجات، روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من مسلم يُشاكُ شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة) وفي حديث آخر عنها قال عليه الصلاة والسلام: (ما ضرب على مؤمن عرق قط إلا حَطّ الله عنه خطيئة وكتب له حسنة ورفع له درجة) أخرجه الطبراني والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
وما من شك أنه كُلّما عَظُم المرض واشتد الألم، كان الأجر أعظم ‏والثواب أكثر، أخرج الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إن عَظِم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحبّ قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فعليه السخط).
وقد تكون الخيرية التي يريدها الله بعبده المؤمن المريض المبتلى منزلة عالية في الجنة لا يرقى عمله إليها؛ ‏فيبتليه الله تعالى بالمرض أو غيره حتى يرتقي إلى تلك المنزلة العالية.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:(إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمله فما يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغها) وفي حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام: (إن العبد إذا سبقت له من الله منزله لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده أو ماله أو في ولده ثم صبره على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله تعالى) أخرجه أبو داود.
عباد الله.. ويكفي في المرض والابتلاء والمصيبة، أنه يبين للعبد ضعفه ويبرز له مدى افتقاره وحاجته لرب العالمين، يقول شيخ الإسلام رحمه الله:(مصيبة تُقبل بها على الله خير لك من نعمة تنسيك ذكر الله).
وما أجمل قول سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: (ما يكره العبد خيرٌ له مما يحب؛ لأن ما يكره يهيجه للدعاء وما يحبه يلهيه)، وهذا والله حق واقع، فكم لهى أناس بعافيتهم! وكم أرجعت الأمراض عبيداً إلى ربهم، فاهتدوا من بعد الضلال، وتابوا من العصيان، فسابقوا في الخيرات، ونافسوا في الباقيات الصالحات، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
عباد الله: إن العبد مبتلى في كل شيء فيما يسره ويحبه فيما يسوؤه ويكرهه، قال الحق جل وعلا:
(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).
قال ابن العباس رضي الله عنهما: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة.
فهذا هو قضاء الله تعال وقدره:
يجري القضاء وفيه الخير نافلة ** لمؤمن واثق بالله لا لاهِي
إن جاءه فرج أو نابه ترح ..... في الحالتين يقول الحمد للهِ
وعليك يا عبدالله أن تتسلى بالنظر إلى من هو أشد منك بلاءً وأعظم منك مرضاً، وأن تتذكر أن مصيبتك ليست في دينك، فكل مصيبة ليست في الدين، فهي هيِّنة لقوله صلى الله عليه وسلم في دعائه: (ولا تجعل مصيبتنا في ديننا).

المؤمن بين مخافتين.. أجل قد مضى وآخر قد بقي

قال الشيخ عبدالله النعمة في الخطبة الثانية: ‏أيها المسلمون، ها هي الشمس وتشرق وتغيب وكل يوم، وها هو الهلال يحلل كل شهر ويغيب، وها هي الأعوام تتجدد عاما بعد عام.
‏وما هذه الأيام إلا مراحل
يحث بها حادي إلى الموت قاصد
‏وأعجب شيء لو تأملت أنها
مراحل تطوى والمسافر قاعد
‏عباد الله.. الليل والنهار يقرّبان كل بعيد ويأتيان بكل موعود، والمؤمن بين مخافتين: أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وأجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه، وفي مطلع العام تستفتح صفحات من الأعمال، لا يدري العبد ماذا يسيطر فيها، ويروح إلى أجل غريب عنه علمه.
‏ولا ندري عباد الله.. لا ندري أيهما أسرع نفسا: عامنا أم أرواحنا.
‏أيها المؤمنون.. ونحن في مطلع هذا العام الهجري فإن من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم الاستبشار بالجديد القادم، والاحتفاء به، والدعاء ببركته، فحينما يرى عليه الصلاة والسلام ‏هلال الشهر الجديد كان يدعو ويقول: «هلال رشد وخير»، وكان إذا أتي بالباكورة بأول الثمر كان يقول: «اللهم بارك لنا في مدينتنا وفي قمرتنا وفي مدنا وفي صاعنا، بركة مع بركة»، ‏وكان يقول في أذكار اليوم والليلة: «اللهم إني أسالك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها، وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة وشر ما بعدها»، والأحاديث في هذا الشأن كثيرة، والحاصل أن ارتباط المسلم بربه ويقينه ‏بأن كل قادم مجهول لا يخرج عن قدرة الله سبحانه، وقدرته سبحانه وثقة المسلم وحسن ظنه بوعد الله لعباده المؤمنين، كل ذلك يجعل المؤمن مستبشرا بعامه الجديد، مطمئنا إلى مستقبله، متوكلا على ربه، راضيا بقدره، شاحذا همته، مستبعدا شبح اليأس ‏والتحبيط والتثبيط {إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} أي من رحمته {إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}.
لقد انقضى عام كامل من أعمارنا، كان حافلا بالبشارة والمنغصات، ومليئا بالفرح والمبكيات، ولد فيه أقوام ومات آخرون، واستغنى فيه أناس وافتقر آخرون، شفي فيه مرضى ومرض أصحاء، والله عز وجل هو الولي الحميد العزيز المجيد، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
‏عبدالله ابدأ عامك الجديد بحسن النية، وعلو الهمة، وصدق التوبة، والعزيمة على الاستقامة لله تعالى، والقيام بحقوقه وحقوق خلقه، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك، ومن غناك لفقرك، ومن فراغك لشغلك، ومن شبابك لهرمك.;

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا