الارشيف / الخليج العربي / صحف قطر / العرب القطرية

د. عزمي بشارة: قيادات الجيوش العربية قائمة على ولاءات وعصبيات

د. عزمي بشارة: قيادات الجيوش العربية قائمة على ولاءات وعصبيات

أكد المفكر العربي، الدكتور عزمي بشارة أن المشكلة التي تبرز في بعض الجيوش العربية أنها تعكس وحدة قائمة على تمييز بين مكونات وعناصر اجتماعية، لأن سلسلة القيادة فيها قد تقوم على ولاءات تنتج عصبيات. وبالمقابل، فإن الجيش قوة منظمة مسلحة مرتبطة بالدولة، والطبيعي هو ليس عزوف الجيوش عن الحكم، بل تدخلها فيه، ولذلك فإن ما يحتاج إلى ترتيبات مؤسسة هو عدم تدخلها.
أشار الدكتور عزمي إلى أن الجيش مؤسسة تعمل وفق مصالحها، وهي تميل إلى تصوير مصالحها في مراحل الانتقال الديمقراطي كأنها مصالح وطنية عامة، كما لا تعمل هذه المؤسسة بموجب نظام أفكار، لافتا إلى أن الجيش مؤسسة منظمة أعلى من حزب وحركة أو خزان أفكار.
جاء ذلك خلال المحاضرة العامة التي ألقاها الدكتور عزمي بشارة في افتتاح المؤتمر السنوي الخامس للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بحضورعدد كبير من الخبراء، وإقبال لافت لطلاب معهد الدوحة للدراسات العليا، وعدد من الإعلاميين والمثقفين، وسفراء وممثلي البعثات الدبلوماسية المعتمدين بالدوحة.
قال الدكتور عزمي بشارة إنه لا يوجد جيش بعيد عن السياسة بحكم تعريفه. فالجيش يتعامل يومياً مع شؤون الحرب والدفاع، وقضايا أخرى يطلق عليها تسمية «الأمن» و «الأمن القومي»، وتتراوح بين شؤون عسكرية محضة، ومسائل متعلقة بالاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في العالم والإقليم والدولة.
وأضاف: «حتى بمعناه الضيق؛ ليس الأمن مفصولاً عن هذه القضايا. ولذلك فموضوع الجيش والسياسة واسع. وهو قائم في الدول الديمقراطية وغير الديمقراطية. ولكن حالة محددة تعنينا هنا هي تطلع الجيش إلى السياسة بمعناها الضيق، أي ممارسة الحكم، والاستيلاء عليه، أو المشاركة فيه، أو اتخاذ القرار بشأنه».
الجيش خاضع للمؤسسات المنتخبة في الغرب
وفي حالة الديمقراطيات الغربية، بين الدكتور أن قيادة الجيش في الدول الديمقراطية غالبا ما تكون مطلعة على قضايا السياسة الخارجية والداخلية، وقادرة على إجراء تقييمات وتوقعات، وقد يطلب رأيها المتخصص في هذه القضايا، ولكن الجيش يأتمر بأوامر مؤسسات منتخبة، تمثل هي سيادة الدولة. والفرق بينه وبين الحكومة أنه يخدم سيادة الدولة بغض النظر عمن انتخب للحكم. أي أن الحكومة بالنسبة له لا تتغير بتغير الحزب الحاكم.
«الطغمة العسكرية» في البلاد العربية
أما في حالة الدول العربية، فأوضح قائلاً: «لم يكن النظام في العراق وسوريا ومصر نظاماً عسكرياً، بمعنى حكم العسكر، مع أن سوريا والعراق مرتا بعملية عسكرة للنظام، وهذا مختلف عن حكم العسكر. إنه نظام طغمة يقف على رأسها حاكم فرد، ديكتاتور، مطلق الصلاحيات عمليا، وتنصاع لأوامره مؤسسات الدولة كلها، رغم القيود الدستورية النظرية، وبعض التوازنات الداخلية التي لا بد أن يأخذها بعين الاعتبار عند اتخاذ القرار؛ ولكنه في النهاية قراره، أو قرار من ينتدبه بمنحه سلطة وصلاحيات.
فالقائد هو «سيد البلاد»، ومصدر السلطات، حتى انتقلنا من سيادة الدولة إلى سيادة الرئيس، في مرحلة تماهي الأمرين معا. وتتألف الطغمة من المقربين والموالين له من الحزب وقادة أجهزة الأمن والجيش، ويتقاطع القرب والولاء في حالات كثيرة مع القرابة العائلية والانتماء العشائري والجهوي. وفي الحلقة الأوسع نجد رجال أعمال، وكبار بيروقراطيي الدولة والحزب، ومحاسيب مستفيدين (ومفيدين ربما!) من أصناف مختلفة.
الجيش أكثر تنظيماً من الأحزاب
وبين أن «الجيش مؤسسة تعمل وفق مصالحها، وهي تميل إلى تصوير مصالحها في مراحل الانتقال الديمقراطي كأنها مصالح وطنية عامة، كما لا تعمل هذه المؤسسة بموجب نظام أفكار، لافتا إلى أن الجيش مؤسسة منظمة أعلى من حزب وحركة أو خزان أفكار، فهل يجب في مرحلة التحول الديمقراطي اعتبارها قوة داخلية، أم سيبقى النظر إليها كمؤسسة تدافع عن حدود الوطن؟».
ورد قائلا: على دروس الانتقال الديمقراطي أن تتعظ بالانقلاب العسكري الأخير في مصر».
وهن الدول وتدخل الجيش
وأبرز الدكتور عزمي أنه «في حالات وهن مؤسسات الدولة وهشاشتها وانعدام الاستقرار وقصور الثقافة المدنية، واهتزاز شرعية المؤسسات المدنية والأحزاب في مقابل الجيش يتولى الجيش فعلا مهمة الحفاظ على الوحدة إلى درجة فهمه أنه بما أنه يمثل الصالح العام ويعمل لمصلحة المواطنين، فما الحاجة للحوار والنقاش والآراء والأحزاب والمؤسسات.
إخضاع الجيش للمؤسسات المنتخبة
ونوه المفكر العربي بأن «الجيش قوة منظمة مسلحة مرتبطة بالدولة، ويصح القول إن الطبيعي هو ليس عزوف الجيوش عن الحكم، بل تدخلها فيه، ولذلك فإن ما يحتاج إلى ترتيبات مؤسسة هو عدم تدخلها. وموضوع إخضاع الجيش للمؤسسات المنتخبة يشغل الديمقراطيات، نظريةً وممارسةً، سواء لناحية تثقيف الجيش والمجتمع، أم لناحية وضع الترتيبات الدستورية المؤسسية والقانونية التي تضمن عدم تدخل الجيش في الصراعات والخلافات السياسية القائمة في المجتمع والدولة، وتضمن ولاءه للحكومة المنتخبة وتنفيذه قراراتها.
الجيوش العربية وهاجس الولاءات العصبية
وخلص الدكتور إلى التأكيد أن «المشكلة التي تبرز عربيا، ولا بد لأي بحث في الجيش والسياسة من معالجتها، أن الجيوش في بعض الحالات تعكس وحدة قائمة على تمييز بين مكونات وعناصر اجتماعية، لأن سلسلة القيادة فيها قد تقوم على ولاءات تنتج عصبيات. في هذه الحالة يصبح فرض الوحدة الوطنية من قبل الجيش على المجتمع، فرضا لحكم عصبية بعينها، بحيث تعني الوحدة الخضوع لها. وثمة أمثلة مهمة على ذلك في جيوش عربية كثيرة من العراق وسوريا واليمن وحتى موريتانيا».

الجيش السوري تحول بعد الثورة إلى ميليشيا تقمع الشعب

في حديثه عن الحالة السورية، وما حدث بعد اندلاع «الربيع العربي»، قال الدكتور عزمي: «.. ثار سؤال كبير حول توقف الانقلابات في العقود الأخيرة في دول اعتبرت بلدان الانقلابات، أي سوريا والعراق. ثم، وحين تفجرت ثورة شعبية تحديدا في سوريا، لم يقع انقلاب وبقي الجيش مواليا للنظام، مستنزفا بانشقاقات فردية كثيرة، ولكن بدون شرخ عمودي من أي نوع في الجيش نفسه. خرج المواطنون السوريون بعد أن استجمعوا شجاعتهم على إثر نافذة الأمل التي فتحت في تونس ومصر وبداية الثورة في ليبيا، وفتحوا صدورهم للجيش، فأطلق حماة الديار النار عليهم. وثبت أن «الجبهة الداخلية» بلغة هذه الأنظمة هي الجبهة الوحيدة التي استعدوا لها. لقد دخل الجيش في حالة حرب مع قسم كبير من الشعب، فتحول بذلك إلى ما يشبه الميليشيا في حرب أهلية، وظل مواليا للنظام. ولا بد أن يسأل هنا السؤال البسيط: لماذا؟

العسكر في مصر والسودان والجزائر
قدم الدكتور عزمي قراءة عن أشهر الانقلابات التي تورطت فيها جيوش عربية عبر التاريخ، وأبرز أن الأنظمة استقرت حتى بدأ منذ سبعينيات القرن الماضي وكأن السودان هي الدولة العربية الوحيدة ذات القابلية للانقلاب العسكري البسيط (انقلاب البشير)، كذلك موريتانيا. ويتوافق هذا مع حقيقة أن عهد الانقلابات ودبابات الفجر قد ولى في سوريا والعراق والمغرب ومصر والأردن وغيرها، ويصح في اليمن منذ تولي علي عبدالله صالح السلطة. ويصدق اليوم على الدول كافة، فكيف لم يصدق على مصر؟ فبالذات في البلد التي شهدت في عصري حسني مبارك والسادات إقصاءً للجيش عن السياسة والحكم، وقع انقلاب عسكري. ولذلك يسأل مرة أخرى السؤال البسيط: لماذا؟ وهذا هو السؤال الثاني.
وأضاف: في الحقيقة يصدق التعميم أعلاه على مصر أيضا. فانقلاب المجلس الأعلى للقوات المسلحة بقيادة عبدالفتاح السيسي مختلف عما عرفناه سابقا من عبدالكريم قاسم وحتى معمر القذافي وجعفر النميري مرورا بانقلابات سوريا. إنه ليس انقلاب ضباط من داخل الجيش على النظام الحاكم، أو على زملائهم في حالات أخرى، بل انقلاب الجيش نفسه، أي قياداته العليا على العملية الديمقراطية، لتمسك الحكم بنفسها، وذلك في إطار النظام القائم.
وتابع: «لم يكن انقلاب المجلس الأعلى للقوات المسلحة بقيادة عبدالفتاح السيسي، وكذلك تحرك الجيش الجزائري بقيادة خالد نزار في يناير 1992، من نوع الانقلابات التي عرفناها سابقا وتقودها تنظيمات عسكرية أيديولوجية تفرض هيمنتها على قيادة الجيش أو تستولي عليها. إنه تحرك تقوم به قيادة الجيش نفسها لوقف العملية السياسية. وذلك لحماية أسس النظام السياسي القائم من نتائجها، وأيضا لحماية امتيازات الجيش نفسه المكتسبة في ظله. إنه ليس انقلابا على النظام، بل على العملية السياسية التي أطلقها النظام نفسه مضطرا، بعد أزمات وحراك اجتماعي واسع في الجزائر عام 1988، وبعد ثورة 25 يناير في حالة في مصر.
واستطرد يقول: في حالة مصر شكل تحرك الجيش في 3 يوليو 2013 انقلابا على الرئيس المنتخب، وعلى الديمقراطية؛ أما في الجزائر فجرى التحرك بالتنسيق مع الرئيس الشاذلي بن جديد الذي استقال أو اضطر إلى الاستقالة بعد تبين نتائج الدورة الأولى من الانتخابات البرلمانية في ديسمبر 1991. لم يودع الرئيس الشاذلي السجن بعد اضطراره للاستقالة، وهو الذي عين خالد نزار رئيسا للأركان ووزيرا للدفاع. فلم يكن الانقلاب في الحقيقة عليه، بل على العملية السياسية التي لم يتحكم بنتائجها، وأسفرت عن احتمال شبه مؤكد لصعود غالبية تشريعية بقيادة جبهة الإنقاذ الإسلامي بعد تبين نتائج الجولة الأولى للانتخابات.

الانقلاب يحتاج للتحالف مع قوى مدنية وسياسية

تحدث د.عزمي بشارة إلى الدور الذي تلعبه القوى المدنية والسياسية في نجاح أو فشل الانقلابات، مشددا على أنه ثبت في تركيا كما في مصر أن الانقلاب يحتاج إلى التحالف مع قوى مدنية وسياسية لكي يتمكن من فرض نفسه على المجتمع، فهو يفشل من دونها، وهذا ما وقع في تركيا على عكس مصر.
ولفت إلى أن انقساما وقع بين مؤيدي الديمقراطية ومؤيدي الانقلاب. أما حين انقسم المجتمع بين مؤيدي حزب سياسيين بعينه (الإخوان المسلمون) ومعارضيهم، (وليس بين الديمقراطية ومؤيديها) فسوف ينجح العسكر. وخلص قائلاً: «بموجب هذا الفرز، يجد الانقلابيون حلفاء كثيرين يساندونهم من منطلقات ودوافع مختلفة ضد الإخوان أو أي حركة سياسية أخرى».;

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا