ثقافة وفن / الوفد

الأغنية الوطنية فى «محنة»

  • 1/2
  • 2/2

تقرير: أمجد مصطفى

 

 

أشد المتفائلين بالأغنية الوطنية الآن يشعر بأن هناك أزمة حقيقية ومحنة كبيرة تعيشها هذه النوعية من الأغانى.

صناعة الأغنية الوطنية أصبح على طريقة غناء هذا الجيل "مُعلب ومستورد" شأنه شأن سندوتشات الهامبرجر، فالأغانى المطروحة على الساحة الآن لم تعد تلك التى تعبر عن العاطفة تجاه الوطن، فقد تحولت الأغنية الوطنية بين ليلة وضحاها إلى سبوبة شأنها شأن البرامج والأفلام والألبومات الغنائية.

فى الماضى كانت الأغانى الوطنية تمثل التعبير الحقيقى عن حب البلد، وكانت تعكس الاحداث التى نمر بها من حرب وسلم ومشروعات عملاقة، فكانت تهز الوجدان، وأقوى من الرصاصة والدانة وقت الحرب آنذاك، كما كانت غصن الزيتون وقت السلم، وعامل اليومية والمهندس وقت البناء. كانت عبارة عن ملاحم تجسد حلم الوطن. لم يكن المبدع «الفنان» حينها يتحدث عن المال «الأجر»، وإنما كان يغنى لذات الوطن فقط وليس من أجل المادة التى يبحث عنها المطربون الآن، فهؤلاء شَدُوا وامتعونا بمئات الأغانى التى ما زالت تعيش فى الوجدان رغم أن بعضها تجاوز ميلادها قرناً من الزمن مثل أعمال سيد درويش الوطنية التى مرّ عليها أكثر من قرن، فهل تعلمون أن نشيد «بلادى بلادى» السلام الوطنى الآن وضع موسيقاه سيد درويش قبل نحو قرن من الزمن، وكتب كلماته محمد يونس القاضى قبل قرن، تلك الكلمات التى ما زالت تعصرنا حتى الآن كلما استمعنا إلى النشيد الوطنى. هذا على مستوى سيد درويش الذى قاوم الإنجليز حتى رحل قاومهم بالغناء وكان الغناء على المحتل أقوى من أى سلاح.

منذ أيام أعلنت القوات المسلحة عن بداية عملية موسعة لتطهير سيناء من الإرهاب «سيناء 2018»، ومع شديد الاحترام لكل المسئولين عن الإذاعات الكثيرة المنتشرة أو الفضائيات لم نجد أغنية حديثه تشحذ الهمم وكل ما تمت إذاعته أو عرضه لا يليق بتلك الحرب على الإرهاب الأسود، لدرجة أن الكثير من المستمعين شعروا باستياء من تلك الأغانى الساذجة التى تُذاع.

والتاريخ يقول: إن نجاح الثورات والأحداث السياسية فى مصر منذ ثورة 19 حتى ثورة 52 كان مرتبطاً بالأغانى الوطنية، فكانت الأغنية تأريخاً لجميع الأحداث والمتغيرات التى مرت بها مصر فى النصف الثانى من القرن العشرين كما أنها كانت تشحذ الهمم وتشحن الإنسان المصرى وتدفعه إلى مقاومة المحتل والظالم.

قامت ثورة 1919، التى تعتبر أول ثورة شعبية فى إفريقيا وفى الشرق الأوسط، وجسّد فنان الشعب سيّد درويش عبر ألحانه وصوته مطالب الثورة، فكان درويش هو زعيم الأغنية الوطنية المصرية بامتياز وباعث النهضة الموسيقية فى مصر والوطن العربى من أول نشيده الشهير «بلادى بلادى» إضافة إلى الأغنيتين: «قوم يا مصرى مصر دايما بتناديك.. خد بنصرى نصرى دين واجب عليك» و«أنا المصرى كريم العنصرين.. بنيت المجد بين الاهرامين».

لم تكن أغانى سيّد درويش الوطنية مقتصرة على رسائل سياسية مباشرة فقط، ففى عام 1919 عرض درويش والمؤلّف المسرحى بديع خيرى مسرحية «قولوله» والتى قدما من خلالها سلسلة من الأغنيات الوطنية وأدتها فرقة «نجيب الرّيحانى».

ولا أحد ينسى أستاذ الجيل أحمد لطفى السيد، وهو صاحب الدعوة الشهيرة «مصر للمصريين»، والتى تزامنت مع ثورة 1919، تلك الثورة التى فجرت أنهار المعرفة فى ربوع الوطن وفى كافة المجالات، وكان تأثيرها واضحًا على فن الغناء، مثلما حدث مع سعد زغلول أثناء ثورة 1919 وعندما قامت السلطات البريطانية باعتقال سعد ورفاقه ونفيهم إلى الخارج، عودة سعد من المنفى كان بمثابة عودة الروح إلى الوطن. حيث منعت السلطات البريطانية الهتاف باسم سعد، وهنا خرجت الأغنية الشهيرة «يا بلح زغلول» كنوع من التحايل كتبها بديع خيرى ولحنها سيد درويش التى جاءت كلماتها كالتالى: يا بلح زغلول يا حليوة يا بلح.. يا بلح زغلول يا زرع بلدى.. عليك يا وعدى يا بخت سعدى.. عليك أنادى فى كل وادى.. قصدى ومرادى.

عام 1936 أنشد عبدالوهاب أغنية «حب الوطن فرض على أفديه بروحى وعينيه» اعتزازًا بانتفاضة الطلبة من ناحية، واحتفالاً بمعاهدة 1936 التى أبرمها مصطفى النحاس زعيم حزب الوفد مع الإنجليز من ناحية ثانية، تلك المعاهدة التى اعتبرها المصريون آنذاك انتصارًا كبيرًا فى رحلة كفاحهم ضد الاستعمار.

ومع حرب فلسطين عام 1948 قدم عبد الوهاب قصيدة على محمود طه «خى جاوز الظالمون المدى.. فحق الجهاد وحق الفدا».

مع ثورة 23 يوليو 52 ظهرت مجموعة من الأغانى الوطنية التى تربع على عرشها العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، الذى بدأ مشوار غنائه للثورة مع بدايتها بأغنية «العهد الجديد» عام 1952، ويعتبر أول نشيد وطنى من ألحان عبد الحميد توفيق زكى، وكلمات محمود عبدالحى.

وشدّا العندليب الأسمر «احنا الشعب» تعبير عن فرحة الشعب بتنصيب الرئيس الراحل جمال عبدالناصر رئيساً لمصر، كلمات صلاح جاهين، وألحان كمال الطويل، وكانت هذه الأغنية بداية سلسلة من الأغانى التى أهداها حليم لناصر فى كل عيد للثورة التى تربع على عرش الغناء لها بمشاركة «كمال الطويل وصلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودى».

وهناك أغانٍ كثيرة مثل «ع الدوار.. ع الدوار» لمحمد قنديل بعد ثورة 23 يوليو عام 1952.

ومن أغانى تلك الفترة صورة، بالأحضان، أهلًا بالمعارك،

المسئولية، قلنا هانبنى وادى احنا بنينا السد العالى لعبد الحليم، ودعاء الشرق، نشيد الجهاد، نشيد الوادى، عن علاقة مصر والسودان، ناصر كلنا بنحبك، دقة ساعة العمل، والله وعرفنا الحب لعبد الوهاب. وكذلك مصر تتحدث عن نفسها، وأنا الشعب.. أنا الشعب، يا حبنا الكبير، ثوار ثوار، قوم بإيمان وبروح وضمير، طوف وشوف لأم كلثوم. كذلك قدم فريد الأطرش «سنة وسنتين» و«المارد العربى»، وفايزة أحمد «حبيبتى قاهرتى»، «لم تغلبى»، «لن تقهرى»، ونجاة «وطنى وصباى وأحلامى» مع عبدالرؤوف إسماعيل، وماهر العطار «يا ما زقزق القمرى على ورق الليمون»، ومحرم فؤاد «مصر لم تنم» وغيرها من الأغنيات الوطنية الجميلة، كما قدم عبد الوهاب ملاحم غنائية وأوبريتات رائعة بمشاركة مجموعة من نجوم الطرب مثل عاش الجيل الصاعد، صوت الجماهير، وطنى حبيبى.

يعد أوبريت « وطنى حبيبى الوطن الأكبر.. يوم ورا يوم أمجاده بتكبر.. وانتصاراته مالية حياته.. وطنى بيكبر وبيتحرر.. وطنى وطنى» من أهم ما قُدم، وكتبه الشاعر أحمد شفيق كامل عام 1960، بصوت مجموعة من فنانى العصر الذهبى وهم عبدالحليم حافظ، صباح، فايدة كامل، شادية، وردة، نجاة، تم تقديم هذا النشيد فى حفل أضواء المدينة بأسوان ٩ يناير ١٩٦٠ يوم الاحتفال بوضع حجر الأساس فى بناء السد.

الإبداعات الفنية لم تغفل حب الوطن حتى فى أصعب اللحظات.. أغنية (عدّى النهار) كانت عنوان تلك المرحلة بامتياز، التى شدا بها عبد الحليم بصوته الذى كان يحمل قدرا كبيرا من الدفء والحنان، فكان ينثر بصوته الأمل فى نفوس المواطنين ليبدد نظرة البؤس لديهم إلى نظرة مشرقة نحو غد أفضل.

كذلك قدم العندليب الأسمر أغنيات مهمة مثل (ناصر يا حرية، سكت الكلام والبندقية اتكلمت، احلف بسماها وبترابها). أما عبد الوهاب فغنى بصوته أغنيات (طول ما أملى معايا معايا وفى إيديا سلاح، سواعد من بلادى، كل أخ عربى أخى، حرية أراضينا فوق كل الحريات).

الاغنية الوطنية واكبت نصر أكتوبر العظيم فى عهد الرئيس الراحل السادات، الذى غنى له عبد الحليم حافظ للمرة الأولى بعد النصر أغنية "عاش اللى قال" كلمات محمد حمزة وألحان بليغ حمدى.

ومن أهم الأعمال عن نصر أكتوبر 1973 بسم الله... الله أكبر... باسم الله.. باسم الله للمجموعة، وأنا على الربابة بغنى لوردة التى كتبها عبد الرحيم منصور ولحنها بليغ حمدى، وهناك أعمال أخرى منها «الباقى هو الشعب» لعفاف راضى، و«لفى البلاد يا صبية، قومى إليك السلام يا أرض أجدادى، صباح الخير يا سينا» لحليم، كما غنت السندريلا سعاد حسنى «دولا مين... ودولا مين»، ورغم أنها كانت لا تُصنف من المطربين إلا أن حبها الصادق للوطن تجلى فى إحساسها الذى لمسه المواطنون فى أغنيتها. و«شدى حيلك يا بلد» لمحمد نوح، و«أم البطل» لشريفة فاضل التى تعصر قلب كل أم فقدت أبنها فى الحرب أو على يد الإرهاب، وهى من تأليف الشاعرة الراحلة نبيلة قنديل ألحان الموسيقار الراحل على إسماعيل، و«رايات النصر» للمجموعة، و«مصر يا غالية» لنجاح سلام، وغنت نجاة «ع البر التانى» و«باب الفتوح»، وغنت فايزة أحمد «يا صباح النصر يا مصريين»، وغنت شهرزاد «سمينا وعدينا»، وشدت شادية «رايحة فين يا عروسة»، كما غنت بعد ذلك يا حبيبتى يا مصر. كل هذه الأعمال وغيرها ارخت لمصر بصدق وبإبداع شديد والسبب ان وقتها كان المسئولون عن الإنتاج الإذاعى يستعينون بكبار الملحنين، كما كان كبار الفنانين على قدر المسئولية ولديهم من الفكر الفنى والسياسى ما يجعلهم يبدعون بحق. الآن اغلب من يقدمون الاغنية الوطنية تربوا على أغانى مايكل جاكسون، ومادونا، ومثلهم الأعلى شاكيرا، وانريكى جلاسيس. وبالتالى لم يعد لدينا أغنية وطنية بالمعنى الحقيقى بدليل أن ثورة مثل 30 يونيو التى حررت مصر من الفاشية الإخوانية لم تقدم أغنية وطنية واحدة تؤرخها بشكل جيد، لم تقدم أغنية تعيش للأجيال القادمة، فما زالت تعتمد الإذاعات الغنائية على إذاعة الأغانى الوطنية القديمة فى الأعياد الوطنية، والأحداث الدامية تمر بها البلد.

الأزمة أن هناك أسماء بقيمة الملحن الكبير محمد سلطان، وحلمى بكر، ومحمد على سليمان وغيرهم ما زالوا على قيد الحياة وعلى أتم الاستعداد لعمل ملاحم وطنية حقيقية ورغم ذلك يتم تجاهلهم رغم اعتراف صُناع الموسيقى والأغنية بقيمتهم، فالأغنية الوطنية وكذلك الأفلام ذات النزعة الوطنية يجب ألا تُعامل معاملة الموضة، الغناء للوطن يجب أن يمس الوجدان ويجب أن تكون موسيقاه مصرية خالصة، لكن ما نسمعه الآن من إيقاع سريع وكلمات تفتقر إلى الأصالة والرقى لا يلهب حماس المواطنين تجاه بلادهم، وذلك بعد أن تحررت الأغنية الوطنية من ثوبها الشرقى وارتدت ثوبًا أمريكيًا وأوربيًا، فباتت الأغنية شبيه بالأكلات المسرطنة المصدرة لنا من الغرب. وهنا سؤال يُطرح نفسه ألا تستحق الإنجازات التى قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسى للأسماء الكبيرة لكى تؤرخها كما فعلت الأغنية مع ناصر والسادات ومبارك؟ أتصور أن القناة الجديدة، والمشروعات الضخمة من الطرق ومحطة الضبعة النووية وقاعدة نجيب واقتحام الصحراء للزراعة، والحرب ضد الإرهاب كل هذه المشروعات تحتاج إلى كبار المبدعين لتأريخها بأعمال تقاوم الزمن تعيش للأجيال القادمة.

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا