ثقافة وفن / مصر العربية

الروائي والمناضل محمود شقير: أحمي الذاكرة الفلسطينية من الطمس بأعمالي الإبداعية

يتميز الفلسطيني محمود شقير، بأنه مناضل صاحب قلم متعدد ومتنوع، حيث يبدع به في القصة والرواية للكبار والفتيان والأطفال، وقدم ما يفوق  45 كتاباً، وكتب ستة مسلسلات تلفزيونية طويلة، وأربع مسرحيات، من أعماله "طقوس للمرأة الشقية"، "مرايا الغياب"، "قالت لنا القدس".
 

اختيرت روايته "أنا وصديقي والحمار" ضمن لائحة الشرف لأفضل 100 رواية في العالم؛ ولهذا السبب أجرت معه "مصر العربية" الحوار التالي:
 

 * في البداية.. نرغب في أن تصطحبنا في رحلة لبداياتك الأدبية وكيف دخلت الوسط الأدبي؟

كانت البداية في العام 1962 حين نشرت لي مجلة "الأفق الجديد" المقدسية قصة قصيرة عنوانها "ليل ولصوص"، طرت من الفرح وأنا أرى اسمي مدونًا على صفحة من صفحات المجلة، ما يعني أنه قد تمّ الاعتراف بي كاتبًا.

قبل ذلك كتبت قصصًا عديدة لم توافق على نشرها المجلة المذكورة ولا أي مجلة أخرى. وبعد تلك القصة نشرت في المجلة نفسها قصصًا عديدة، وبقيت أنشر القصص والمقالات والنصوص والروايات التي قاربت هذه الأيام الستين كتابًا.

 

 * بعد مباركتنا باختيار "أنا وصديقي والحمار" ضمن لائحة الشرف لأفضل 100 رواية في العالم.. ما هو رد فعلك على ذلك الخبر.. وحدثنا بشيء من التفصيل عن هذا العمل؟

 كان خبرًا مفرحًا بطبيعة الحال؛ وقد كانت هنا في فلسطين ردود أفعال جيدة على هذا الخبر، سواء أكان ذلك من وزارة الثقافة أم من فرع فلسطين للمجلس العالمي لكتب اليافعين، وكذلك من مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي التي نشرت الكتاب،  ومن اتحاد الكتاب الفلسطينيين ومؤسسات ثقافية وصحافية أخرى.
 

وبحسب شروط هذا الاختيار فسوف تعرض الكتب المئة طوال سنتين في معارض الكتب الدولية، وستكون هناك فرص لترجمتها إلى لغات عدة، وبهذا يتم انتشارها في العالم على نطاق واسع.
 

هذه الرواية كما هو معلوم مكرسة للفتيات والفتيان؛ وفيها يتداخل الواقع بالخيال انطلاقًا من حادثة وقعت في الواقع، لأحد أصدقاء الطفولة، ثم قمت بتحويلها إلى مادة أدبية بحيث صورت من خلالها رحلة طفل في مراحل مختلفة من حياته؛ وذلك بالاستفادة من حادثة الاستيلاء على حماره الذي كان ينقل عليه أكياس الطحين والقمح والشعير مقابل قروش قليلة؛ وبتكريس الوقت للجد والاجتهاد لتحقيق النجاح تلو النجاح حتى أصبح واحدًا من رجال الأعمال المعروفين.
 

في الرواية سرد ممتع لتفاصيل عديدة لها صلة بحمار صديقي، وهو مكرس لإمتاع القارئ أثناء قراءته لهذه الرواية.

 

* ما بين الكتابة للأطفال والكتابة للكبار.. إلى أيهما يميل قلمك؟

في البداية كنت معنيًّا بالكتابة للكبار، وقد استمر ذلك حتى العام 1975، لكن قصصي التي كتبتها في تلك الفترة لم تكن تخلو من أطفال لهم حضورهم في تلك القصص.
 

بعد العام 1975 حين كنت منفيًّا من سلطات الاحتلال الإسرائيلي خارج فلسطين، أتيحت لي فرص للاطلاع على كتب دار الفتى العربي التي كانت متخصصة في نشر كتب مصورة للأطفال، كما أتيحت لي فرص للاطلاع على نماذج عدة من قصص الأطفال من بعض البلدان العربية ما دفعني إلى الكتابة عن الأطفال، وبخاصة حين كنت أتابع قمع سلطات الاحتلال لأطفال فلسطين جراء قيامهم بالتظاهر ضد عسف المحتلين.
 

منذ ذلك الوقت كتبت ما يقارب أربعين كتابًا للأطفال وللفتيات والفتيان، وما يقارب عشرين كتابًا للكبار، ولا أشعر بأنني أميل لكتابة لون أدبي على حساب لون أدبي آخر، وإلا لما واصلت الكتابة في هذين الميدانين معًا ومن دون تحيز لأحدهما على حساب الآخر.

 

 * هل ترى أن أدب اليافعين في الوطن العربي يعاني من إهمال؟ وما هي أسباب ذلك؟

صحيح إلى حد ما، ذلك أنه في السنوات القليلة الماضية ظهر تحسن ملموس في الاهتمام بهذا الأدب؛ من خلال تكريس بعض دور النشر جهدًا لطباعة كتب للأطفال ولليافعين، ومن خلال بعض المؤسسات الثقافية التي تعنى بأدب الأطفال. ثم إن كاتبات وكتابًا عديدين دخلوا ميدان الكتابة للأطفال، وصارت هناك جوائز سنوية في بعض الدول تمنح لكتب الأطفال،  وهذا كله أسهم في تحسين الصورة عما كان سائدًا من قبل.
 

ولعبت الترجمة من الآداب العالمية دورًا مؤكدًا في تقديم قصص وروايات مكرسة للأطفال بأقلام كاتبات وكتاب مشهورين في السويد والنرويج وغيرهما من بلدان العالم.
 

غير أن مقارنة متأنية بين حالة أدب الأطفال في بلداننا العربية وحالة هذا الأدب في البلدان المتقدمة تظهر أننا ما زلنا متخلفين عن اللحاق بغيرنا؛ ولا بد من بذل جهود حثيثة لتطوير أدب الأطفال العربي ودفعه إلى مستويات متقدمة.

 

*أي الأعمال الأدبية التي قدمها محمود شقير الأقرب لقلبه ولماذا؟

"خيز الآخرين" هو الأقرب لقلبي، وهو كتابي الأول الذي أصدرته منشورات صلاح الدين في القدس في العام 1975،  والذي قدمني إلى القراء  وإلى النقاد، وفيه قصصي الأولى التي نشرتها في مجلة "الأفق الجديد" في ستينات القرن العشرين.
 

الكتاب الثاني الأقرب إلى قلبي هو كتابي " طقوس للمرأة الشقية" الذي أصدرته دار ابن رشد في عمان في العام 1986، وهو يضم أربعًا وثمانين قصة قصيرة جدًّا، وقد أشاد نقاد كثيرون بهذا الكتاب بالنظر إلى الإيجاز والشاعرية والإدهاش وغير ذلك من عناصر التجديد التي اشتملت عليها قصص هذا الكتاب.
 

أما الكتاب الثالث فهو روايتي المكرسة للفتيات والفتيان "أنا وجمانة" التي أصدرها مركز أوغاريت في رام الله في العام2000 ، وأعادت الدار الأهلية في عمان إصدارها في طبعة ثانية قبل أسابيع، وهي رواية تدخل في صلب القضية الفلسطينية من خلال تصورات عدد من الفتيات والفتيان، مسلمين ومسيحيين، أثناء ممارستهم لحياتهم اليومية في مدينة رام الله.
 

الكتاب الرابع "صورة شاكيرا" وهي مجموعة قصص قصيرة ساخرة، أصدرتها المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمان في العام 2003 ، وهي قصص ساخرة تبعث على الضحك، وفيها سخرية من عنجهية المحتلين الإسرائيليين ومن بعض مظاهر تخلفنا نحن الفلسطينيين.
 

وأما الكتاب الخامس فهو "فرس العائلة" الرواية التي أصدرتها دار نوفل في بيروت في العام 2013 ؛ وفيها صوّرتُ سيرة عائلة بدوية فلسطينية، وما تحفل به حياتها من طقوس وعادات وتقاليد، خلال النصف الأول من القرن العشرين.

 

*وما بين سيرة ذاتية مليئة بالمحطات الكثيرة.. أي تلك المحطات الأصعب والأهم في حياتك؟

المحطة الأصعب هي تلك التي قضيتها في الاعتقال الأول في السجون الإسرائيلية في العام 1969 -1970 وما أعقبها من سنوات إلى الاعتقال الثاني في العام 1974 -1975 وانتهاء بالأشهر الأولى من وجودي في المنفى الذي امتد ثماني عشرة سنة.

في تلك السنوات كنت منقطعًا تقريبًا عن الكتابة الإبداعية؛ وكنت أعاني من صعوبات السجن وعذاباته ومن عذابات المنفى ومكابداته؛ إلى أن تأقلمت مع هذا المنفى والتحقت بي عائلتي؛ وإلى أن عدت إلى الكتابة بشكل منتظم، وبخاصة كتابة القصة القصيرة والمقالات ونشرها في الصحف والمجلات، وكذلك كتابة المسلسلات التلفزيونية التي ابتدأتها بمسلسل عبد الرحمن الكواكبي الذي أخرجه صلاح أبو هنود، وأنهيتها بمسلسل دروب لا تلتقي الذي أخرجه موفق الصلاح.

مع ذلك؛ ورغم ما في المنفى من فرص للتزود بالثقافة وللتعرف على ثقافات شعوب مختلفة، فإنه لا يخلو من مكابدات، أهمها الشعور بعدم الاستقرار بعيدًا من الوطن.

أما المحطة  الأهم في حياتي فهي تلك التي أعيشها منذ عشر سنوات وحتى الآن؛ حيث أصدرت عددًا غير قليل من الروايات والقصص والنصوص، وما زلت أشعر بالرغبة في إنتاج مزيد من الكتابات وبخاصة للفتيات والفتيان.
 

*كيف ترى الوضع الثقافي والأدبي الفلسطيني في الفترة الراهنة؟

 إنه وضع مبشر بتطورات إبداعية قادمة رغم العراقيل التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على الثقافة والمثقفين، ورغم عدم اهتمام السلطة الفلسطينية بشكل كاف وعميق بالثقافة، (وبالطبع؛ دون أن أغمط السلطة حقها في إنجازات لا يستهان بها من خلال وزارة الثقافة).
 

توجد لدينا أعمال أدبية وفنية وثقافية متقدمة لروائيين وقاصين ونقاد ومسرحيين وسينمائيين وفنانين تشكيليين وصحافيين وعلماء اجتماع ومفكرين سياسيين ومؤرخين وغيرهم، وهي في الأغلب الأعم ناتجة عن اجتهادات فردية يضطلع بها أصحابها من خلال التزامهم بقضايا الوطن والناس، وحرصهم على مستقبل واعد للشعب الفلسطيني متحرر من الاحتلال؛ وبطشه وتسلطه وأطماعه التوسعية العدوانية.
 

بالطبع وبالنظر إلى ما تعانيه فلسطين من احتلال استيطاني توسعي فثمة ضرورة لتوفير كل الشروط الكفيلة بتطوير الثقافة الوطنية الفلسطينية، خصوصًا وهي تشكل عنصرًا مهمًا من عناصر الهوية الوطنية؛ وعدم الاقتصار على الجهود الفردية لتطوير هذه الثقافة.

 

 *ما تقييمك لما يقدم من أدب مقاومة في الوقت الحالي؟

كنت أشرت غير مرة في حوارات سابقة وفي مقالات كتبتها إلى أن حصر أدب المقاومة في الأدب الذي ينتصر للكفاح المسلح ضد الاحتلال؛ هو إفقار للأدب وتضييق عليه.
 

وفي اعتقادي أن كل أدب يناهض القبح ويفضح الجور والاستغلال والحطّ من كرامة الإنسان هو أدب مقاومة، وكل أدب ينتصر لقيم الحق والعدل والخير والجمال هو أدب مقاومة، أو كما قال محمود درويش ذات مرة: "كل شعر جميل مقاومة".

 

*كيف تنصر قضية بلادك بأدبك؟ وما هو تأثير ما تمر به فلسطين على أدبك؟

تمر فلسطين هذه الأيام بمرحلة شديدة الخطورة، تهدد بتصفية المشروع الوطني الفلسطيني وبتبديد القضية الفلسطينية وطمس الحقوق الثابتة والمشروعة للفلسطينيين في وطنهم، وذلك من خلال مشروع الرئيس الأمريكي ترمب، المشروع المنحاز بشكل كامل للمحتلين الصهاينة، المسمى "صفقة القرن" التي لم يتم الإفصاح عن تفاصيلها حتى الآن، إلا أن بعض هذه التفاصيل بات واضحًا للعيان، يدل عليها الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، وكذلك محاولات تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين عبر التضييق على ميزانيات الأنروا.
 

كما أن الأدب يتأثر بشكل أو بآخر بما يدور على الساحة السياسية وفي كواليس رجال السياسة، غير أن ما أنتجه وينتجه الأدباء والفنانون الفلسطينيون في الوطن وفي الشتات من روايات وقصص، ومن مسرحيات وأفلام وفنون تشكيلية وغير ذلك من نتاجات ثقافية مكرس للدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة وتقرير المصير والعودة  والاستقلال، وهو مكرس كذلك لبث روح الصمود فوق أرض الوطن في نفوس الناس، وللتصدي للعسف الإسرائيلي وللاستيطان ولتهويد القدس ولغير ذلك من ممارسات المحتلين الهمجية.
 

وضمن هذا السياق، أقوم أنا وغيري من المبدعات والمبدعين الفلسطينيين بإشهار الرواية الفلسطينية حول حقنا في وطننا في مقابل الرواية الصهيونية المزيفة، نقوم كذلك بحفظ الذاكرة الفلسطينية وحمايتها من التبديد والطمس والتغييب.
 

* كيف ترى دور الكتاب العرب تجاه القضية الفلسطينية؟

للقضية الفلسطينية حضور أكيد في نتاجات عدد غير قليل من الكتاب العرب، وأعتقد أن هذا الدور سوف يتعزز على نطاق أوسع في الفترة القادمة بالنظر إلى المخاطر التي تتهدد هذه القضية التي تعتبر قضية حرية وكرامة ومصير، وهي ليست خاصة بالشعب الفلسطيني وحده، بل هي قضية العرب الأحرار ومثقفيهم أجمعين، وهي كذلك قضية كل أحرار العالم ومحبي الحرية والسلام، المدافعين عن الحق والحقيقة ضد الظلم والعسف والطغيان.

* ما هي مشاريعك الأدبية القادمة؟

أنتظر صدور روايتي الثالثة: ظلال العائلة، المتممة لروايتين سابقتين هما: فرس العائلة ومديح لنساء العائلة؛ التي أتوقع أن تقدمها دار نوفل اللبنانية للعرض في معرض بيروت الدولي للكتاب آخر هذا الشهر.
 

أنتظر كذلك صدور كتابي "أنا والكتابة.. من ألف باء اللغة إلى بحر الكلمات" الذي أتوقع أن تقدمه دار لوسيل للنشر للعرض في معرض الدوحة الدولي للكتاب.
 

وأخطط لكتابة مجموعة قصصية ساخرة ستكون امتدادًا لمجموعتين سابقتين لعبت السخرية دورًا بارزًا فيهما؛ وهما: صورة شاكيرا و ابنة خالتي كوندوليزا.

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا