الارشيف / الخليج العربي / صحف اليمن / عدن الغد

أكتب لكم من محطة القطار!

  • 1/2
  • 2/2

أكتب لكم من محطة القطار، مع الأصدقاء الذين سأقضي معهم ليلة رأس السنة، سنتجاذب أطراف الحديث احتفاءً بالعام القادم لأننا جميعنا من شيعة "الوقت النوعي"، الذي تقتضي طقوسه أن أستمع للمخاوف التي يحملونها تجاه الاحتباس الحراري وآرائهم بخصوص قضايا الجندر والعولمة، لن أحدثهم اليوم عن الوضع في بلدي حتى لا تتحول الليلة إلى فيلم رعب آخر اعتادوا على مشاهدته معي في كل لقاء.

وصلتُ باكرًا خوفا من أن يفوتني القطار، فاتتني قطارات كثيرة في حياتي، حجزتُ لها التذاكر ثم قررتُ ألاّ أذهب، خوفًا أو ترددًا، كانت الكلفة باهظة أحيانًا والثمن لا يُسترد، في أوقات كثيرة كنت أصل في اللحظة الأخيرة، ثوان قليلة كانت تفصلني عن الوصول، كنت أرى قطاري يتحرك أمام عيني بيني وبينه القليل القليل من مسافة كان يجب أن اقطعها في زمن أقل، هذه المعادلة الفيزيائية الصلفة، منزوعة الرحمة، هي من تحدد لك كل ما يحدث في حياتك، لن يفكر القطار وهو يمضي الى وجهته في الساعة المحددة أنك كنت أسير لحظة تردد أو كسل أو تعب أو سوء تقدير، أنا تعلمتُ الدرس، اخترتُ أن أقود قطاري بنفسي، قررتُ أن أجعل الأشياء التي أخافها تحدث لي على أمل أن أحبها في لحظة ما، ذلك أن ما سينتظرنا في المحطة التالية مهما كان سيئًا لن يكون أسوء من الندم على قرار لم نتخذه، أو مغامرة لم نخضها، أو مفاجأة كانت يمكن أن تكون في المحطة الأخرى، بتُّ أؤمن يا أصدقائي أن الموت ليس انتهاء الحياة أكثر منه ركودًا لأحداثها.

شيءٌ آخر تعلمته العام المنصرم، أن أحتسي قهوتي كما لا أحبها، مُرّة من دون سكّر، أعوّد نفسي على الحيادية تجاه ما أكره، أنا متعبة للحد الذي لا أمتلك معه كراهية شيء لا يستحق الكره فعلًا، أنا لا أمتلك هذه الرفاهية، لذا بإمكاني الآن وأنا أتجرع مرارة هذا الكأس أن أفكر في السعرات التي وفرتها وفي القوام المثالي الذي سأحصل عليه بالمزيد من هذه التضحيات، هي الرشوة التي تقدمها لنفسك في مقابل الاستمرار في شيء لا تحبه، معظم الأشياء التي نفعلها في حياتنا تشبه هذه المقايضة، سياسة النفط مقابل الغذاء، الحصار مقابل الطعام بالمعنى الأدق، الهوان في مقابل الأمان، الرتابة في مقابل الراتب، الخنوع في مقابل السمعة، الديكتاتورية في مقابل السلم، الزواج الفاشل في مقابل الشكل الاجتماعي، التعاسة في مقابل إرضاءً الناس.

خسرتُ وزنًا في هذا العام، وهذا الأمر الوحيد الذي أمكنني تقبل خسارته من جملة أشياء وأشخاص كسر ظهري غيابهم.

تعلمتُ الطهو وتبدلت علاقتي بالمطبخ جذريًا، صرتُ انتظر كلمة "يا سلام"، بدل خوفي من كلمة "يا ساتر" هههههه.. هذا حالنا في النهاية، لا نتوقع أن نحب أشياءً الى الأبد ولا أن نكره أمورًا حتى الأخير.

سافرتُ كثيرًا، قطعتُ المسافات شرقًا وغربًا، محمولة بحب الأصدقاء والأهل، تناصفتُ الضحك والبكاء، الانبهار والحسرة، اللقاء والوداع، الاغتراب والغربة..

تعلمتُ لغة جديدة، لازلت أداركها، قابلت في مقامي الجديد عشرات الجنسيات واللغات واللكنات، تحدث لغة العيون والقلوب مع جميعهم، سالتْ هوياتنا وانتماءاتنا في وادي الإنسانية الأوحد ..

استمعتُ للقصص، العديد منها، عبرتُ عن اختلافي بزهو، وكسبتُ أم المعارك بابتسامة.

في عائلتي فرد جديد، نعيش به ومعه حلاوة الطفولة، أمان الحبيب، نتعلم منه الحياة في صيغتها البكر، أنّ أول مهارة جسدية تكتسبها أن ترفع رأسك، أنّ الابتسامة أولى تفاعلاتنا الذهنية، أنّ الخوف هو فطرة المرء الأقوى، وأن الجوع والألم المبررات الأعظم لأعلى أنواع الصراخ.

قرأتُ قليلًا، وكتبتُ قليلًا هذا العام، لكني عشتُ كثيرًا كثيرًا.

قاطعتُ وسائل التواصل بنسبة 60%، وجدتُ الكثير من الوقت لألتقي بنفسي من جديد ولأنقب عن أشياء افتقدتها في غمرة ما يلتهمه من أحدنا هذا الهوس العام.

قبل أن أذهب، أتمنى السعادة لكم جميعًا وأشكركم لكل لحظة تشاركناها في صناعة العام الماضي، عن معرفة أو عن جهل..

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا