مقالات / اليوم السعودية

بين واقع ومفروض

مجريات الحياة هي متاع الغرور تفقدنا لذتها أحيانا بسبب أن الحقائق تختلط بالخيالات، والوقائع تمتزج بالأحلام، والمتناقضات تموج بنا نحو رمادية الرؤى، وسرابية الأماكن، وعتمة القرار.. وما زال الإنسان يركض خلف الزمن.. والزمن أسرع منه يسبقه نحو متاهات بلا حدود.. هكذا هي المساحة بين المفروض والواقع والتي تثير في داخلنا كثير الشكاية، وزحام التذمر، وشيئا من الضجر.

أليس مفروضا أن تكون صادقا في واقع كاذب، وأمينا في واقع خائن، ومحافظا في واقع غير محافظ، ومحبا في واقع كاره؟.. هكذا هي المعادلة ودوما هناك فرق بين الواقع والمفروض. فما نراه حولنا قد يكون واقعا مفروضا علينا، ولكنه ليس مفروضا أن يكون واقعا لكن هكذا هي الحياة، وهذه الحقيقة الموجودة بيننا..

كثير من الناس يبحث عما يكون مفترضا أن يحدث في واقعه وحياته، وفي عمله وكل مساراته.. فتبقى جدلية الواقع والمفروض حائرة في أذهاننا، ومثيرة دوما لتساؤلاتنا.. ونتقاذف الأسئلة أمامنا.. لماذا الواقع هكذا والمفترض أن يكون كذلك؟ لماذا يحدث هذا والمفروض أن يحدث ذلك؟

هذا المجتمع الذي يحدنا من جميع الجهات، ويقيدنا بقيود الواقع وبقسوة شديدة.. هذا المجتمع الذي يحرق المفروض والمعقول والطبيعي على صفيح ساخن من الواقع المغاير.. جعل البعض يعتبر الواقع قانونا طبيعيا يلجأ إليه، ويبرر بعض أطروحاته، وتصرفاته محتجا بأن ما به، أو ما يفعله، أو ما يقوله هو موجود في الواقع.

إن الفرق بين المفروض والواقع في كل أمر هو فرق غير محدود بمسافة، ولا معروف بمساحة فهذا الفرق يتسع عند البعض ويضيق عند بعضهم بحسب ما يرتبط بقناعاته الخاصة، واعتقاده الشخصي وقد يكون ما يراه شخص مفروضا أن يكون واقعا لا يراه الآخر هكذا. وهذا كله أدخل في أنفس البعض حب ذاته، وأفرز داخله ما قد نسميه بالانتصار للذات حتى وإن كان خلافا، أو اختلافا، أو معاكسة، أو مشاكسة.

إن حركة الاختلاف بيننا دوما تتسع بسبب جهلنا بحقيقة كثير من الأمور، وبسبب تعدد قناعاتنا، وبسبب تنوع مرجعياتنا.. فالبعض يمتلك مرجعيته ما دامت واقعا يعيشه دون أن ينتبه أنها لا تعدو كونها قناعة بسيطة، أو كذبة مختلقة، أو رأيا معارضا، أو قياسا شاذا، أو فكرة جنونية، أو مغامرة فاشلة «كالذي يعارض ثوابت الدين ودلائله بدعوى أن هذا الواقع وفقط، وهذا المنطق وكفى فيلتصق بمرجعيته الخاصة».. ومهما قلنا له ان الميزان هو المرجع الحقيقي لقياس الثقل.. ستجده مخالفا فيصر على مقياس درجات الحرارة.. فيولي مستكبرا لأن واقعه غير ما هو مفروض اتباعه.

والبعض يقوده منهجه إلى عدم اللجوء إلى آليات التجربة والاكتشاف والتبين عند الرغبة في إصدار حكم ما على أمر، أو على شخص ما فقياسه التماثل دوما، ومعياره الانطباع الأولي، وقناعته مفهوم «النظرة الأولى» مبررا أن هذا هو المفروض بالنسبة لواقعه، ومتبعا هواه في تحليله للأمور بحسب آليته التي صنعها من مواد ذاته المتعاظمة.

لقد تعبت أجسادنا كثيرا، وأرهقت أرواحنا من عثرات التخالف، وفقدان المرجعيات على الرغم من وجودها بيننا.. فنحن بين دين قويم، وتعاليم سمحة، وعادات طيبة، وتقاليد معقولة كل ذلك بيننا، ونحن نضع أنفسنا في مواطن ردة الفعل قبل الفعل، وخلط الواقع المرفوض بالحاصل المفروض.. فلا بد أن تميل قلوبنا لما هو مفروض عبر القياس الحق، والمرجعية المعروفة المتفق عليها بيننا.

ويبقى القول: لتطمئن أنفسنا بما هو طبيعي، ونتجه بذواتنا المتعالية الغليظة أحيانا نحو اللين، وخفض الجناح للغير، فيكون أكثر المفروض واقعا وليس العكس.. لأن الحال في جميع المجتمعات الإنسانية دوما ما تكون متضاربة ومختلفة، فهناك أقطاب تتصارع من أجل كسب أرض الواقع، وهناك أقطاب تتآلف لكسب أرض المفروض. فلا يصح إلا الصحيح بعدها.

مواضيع ذات علاقة

  • عبد العزيز بن عبد الرحمن اليوسف
  • محمد العلي
  • مرحباً ألف
  • جدل حول مساحة الواقع في قصائد الشعراء
  • بالـ«توفيق» يا وزير الصحة

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا