مقالات / الرياض

لماذا يُدعى عليهم؟

الانفتاح على الأفراد والمجتمعات والدول يقود الإنسان إلى مراجعة ما كان عليه في عهد الانغلاق وزمن الانكفاء على الذات؛ فكثير من التصورات حول البشر قائمة على المخاوف والأوهام، وحالما يُفتح للإنسان سبيل معرفة الآخرين الذين يُشاركونه سكنى هذا العالم حتى تطير مخاوفه منهم، وتتوارى أوهامه عنهم، ويرى الناس من حوله كما خلقهم الله تعالى وليس كما يحلو لمخاوف ثقافته ومجتمعه أن تقوله له، وتُحدّثه به، ويظهر خلق الله المخالفون له في دين أو مذهب على حقيقتهم، فتبدأ يد التغيير تعمل في ذهنه، وتتكاثر أسئلته النقدية حول ما كان عليه من ظلم ثقافي للآخرين، وتعدٍّ سافر في تصورهم، ولعل من أصعب اللحظات عليّ هذه الأيام أن أسمع من هنا وهناك مَنْ يُنادي بأعلى صوته مُحذرا من تشويه صورة المسلم في بلاد الغرب، ومطالبا جهده أن تُغيّر تلك الصورة، ومرتقبا من الدول والجمعيات أن تسعى في مراجعة تلك الصورة النمطية التي تضع المسلم في قالب لا يُرضى، وشكل لا يُستساغ، وينسى في الوقت نفسه أن يُراجع صورة الآخر في ثقافته، ويغيب عنه أن ينتقد بيئته وتصورات أهله، يعرف حقوقه جيدا، وتغيب عنه حقوق الآخرين الذين جُعلوا بُعبعا (البُعبُع: صورة خيالية لحيوان مخيف) لأفراد مجتمعه، يُخوّفون به، ويُحذّرون منه؛ حتى بلغ الأمر أقصاه، والقضية منتهاها، حين صار الدعاء عليهم بالذل والهوان جزءا من ابتهالاتهم، وكاد أن يكون ركنا من أركانها!

الدعاء على الآخرين خطأ دنيوي صرف، يمنعنا سعينا في الدنيا عنه، ويحثنا على تركه، وتقودنا مصالحنا في هذه الدار إلى مُجافاته والبعد عنه..

أجبرتنا الحياة على الخروج من بيئتنا، واضطرتنا الدنيا، والمضي في بنائها، إلى مدّ الجسور مع أمم الأرض، شرقية وغربية، فبدأنا بالمشاريع الحكومية، واستعنا ببني الإنسان من حولنا، واستفدنا من تجاربهم، وذهبنا شرقا وغربا في تنمية رأس المال، وزيادة دخل التجارة، وبعثنا بأولادنا وفلذات أكبادنا إلى تلك الدول ومجتمعاتها؛ رغبة أن يعودوا إلينا بما عندهم، وينتفعوا بما قادتهم حضارتهم إليه، أمِنّاهم على أنفسنا ودولنا ومجتمعاتنا، ووضعنا كل شيء بين أيديهم، وبقينا على الدعاء عليهم بالذل، ولزمنا الابتهال إلى الله تعالى أن يُهينهم! ونسينا أو غفلنا أن ما يُصيبهم من هذا كله راجع إلينا، ونازل بنا، فنحن وهم يد واحدة، أو كاليد الواحدة، في بناء الثقافة والحضارة، ومواجهة تحدياتهما، ومن يدعو الله تعالى على مَنْ يُعينه، ويُساعده، ويقف معه؛ فهو كمن يدعو على نفسه، ويبتهل إلى الله عز وجل في هوانها وذلها!

من يدعو على مجتمع بالذل "اللهم أذلّ الشرك والمشركين" فيُنتظر منه أن لا يتعامل معهم ولا يطلب في سبيل رقي الحياة عونهم وإسعادهم؛ لأن فتح أبواب العلاقة معهم، وطلب خبراتهم، والحصول على استشارتهم، والتعاون معهم، سياسيا وعلميا وثقافيا وتجاريا، يصب في إعزازهم ورفع شأنهم، وليس في إذلالهم والدعاء عليهم، وهكذا اجتمع في يدي أمور دنيوية تدفع بي إلى مراجعة أدعيتنا، والمطالبة بفحصها، هذا إذا كنّا حريصين على أن يُعيد الآخرون رسم صورتنا في ثقافتهم، ويتخلون عمّا نكره منها، فيكونون لنا مثلما نكون لهم، فتكون سيرتنا معهم حينها متأسية بقول الله عز وجل: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم)، وبقول الحبيب عليه الصلاة والسلام: "وليأتِ إلى الناس الذي يُحب أن يُؤتى إليه".

حين نتدبر حياتنا، ونتأمل شؤوننا فيها، ونُقلّب ألبابنا في أنحائها؛ نرى أن الدعاء على الآخرين خطأ دنيوي صرف، يمنعنا سعينا في الدنيا عنه، ويحثنا على تركه، وتقودنا مصالحنا في هذه الدار إلى مُجافاته والبعد عنه، ويبقى ديننا ودعوة نبينا عليه الصلاة والسلام، فهل كان الإسلام يُجيز الدعاء على المخالفين في الدين الذين ليس لهم معك عداوة، ولا بينك وبينهم ثأر، وإنما هي الدنيا ومصالحها تتعاونون عليها، وتتساعدون في عمرانها؟ وهل كانت سيرة أبي القاسم عليه الصلاة والسلام شهادة لمن يدعو على الناس ويرفع يديه إلى الله تعالى بالإساءة إليهم أو كانت حجة لمن يُحسن إليهم في القول والعمل، ويراهم حقيقين بحسن الخلق جديرين بحلو الكلام؟

لم يقتل الحياةَ ومسيرتها شيء مثلُ التقليد، ولم يعرقل سير الإنسان فيها شيء مثل المضي على خُطى الأجداد، والجري في آثارهم، وكذلك الدين لم يقتله شيء مثل التقليد، ولم يُضيّع سماحته، ويطمس كثيرا من مبادئه شيء كالتقليد، ولو راجعنا الأديان كلها، ومنها الإسلام، لوجدنا أن التقليد كان وراء تحريفها وتزوير كثير من دعوتها؛ فالتقليد بلاء الدين والدنيا، ومعول هدم لهما، ولأفلاطُون أستاذ أرسطو مقالة تكشف لنا الشعور العظيم في تلك الحقب من خطورة التقليد والمقلدين: "نحن متفقون إلى حد بعيد على أن المقلد يفتقر إلى أية معرفة تستحق الذكر بما يُقلّده. فما التقليد إلا نوع من اللهو واللعب" (الجمهورية، الكتاب العاشر، 513).

أفلاطُون الذي قال في جمهوريته هذه الجملة، قال قبلها جملة أهم منها وأعظم، جملة يُجمع الناس عليها نظريا، ويستندون إليها حين يريدون نقد غيرهم، وتبيان أخطائهم، وهي شعارنا جميعا، وإن اختلفت مذاهبنا ونحلنا، سواء عرفناها أم لم نعرفها، وعرفنا قائلها الأول أم لم نعرفه، وهي قوله: "من الواجب ألّا نحترم إنسانا أكثر مما نحترم الحقيقة" (الجمهورية، الكتاب العاشر، 504)، هذه المقالة التي أخذها أرسطو من أستاذه، واحتجّ بها عليه، هي دعوة الإسلام حين حارب التقليد، ونبذ اتباع الآباء، وجعل الإنسان مسؤولا عن نفسه: (إنها لإحدى الكبر. نذيرا للبشر، لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر. كل نفس بما كسبت رهينة).

الحقيقة أحب إلينا، والدعوة إليها هدفنا، وهي قبل هذا دين لنا، ودعوة ربانية من خالقنا، الذي عاتب نبيه حين دعا على مَن آذوه، وناصبوه العداء، وحاربوه بالسيف والسنان، ففي الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال يوم أحد وهو يسلت الدم عن وجهه: "كيف يُفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته وأدموا وجهه؟" فأنزل الله عز وجل: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون)، يقول ابن حجر في نزول الآية الكريمة: "والصواب أنها نزلت في شأن الذين دعا عليهم بسبب قصة أحد. والله أعلم".

إذا كان الله تعالى خاطب نبيه بهذه الآية، وهو يدعو على مقاتليه ومؤذيه ومحاربي دعوته وظالمي أصحابه، فكيف هي حالنا ونحن ندعو على أناس يبعدون عنا آلاف الأميال، ولم يصلنا من أذاهم شيء، ولم نعرف عنهم سوى أنهم أعوان لنا في الحياة، وخَدَمة لنا في تحصيل أسباب الحضارة والرفاه؟!

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا