مقالات / الرياض

أيها الغربيون: كلنا في الفساد سواء

ورد في موسوعة "قصة الحضارة" أن حرب الثلاثين عاما في أوروبا (1618 -1648) قضت على نحو 6.5 ملايين إنسان من سكان ألمانيا؛ فانحدر عدد السكان من 20 مليونا إلى 13.5 مليونا. لقد فقدت ألمانيا نصف رجالها، والتشيك ثلث سكانها، وبدرجات أقل بقية دول أوروبا. دمرت الحرب 18 ألف قرية، وثلث المدن الألمانية، وافتقر الناس، وخلفت الحرب "وفرة في النساء وندرة في الرجال"، فعولج الخلل الاجتماعي بالعودة إلى تعدد الزوجات كما ورد في العهد القديم. عندها كان التعدد لزاما على القادرين وليس احتسابا. حرب الثلاثين عاما نشبت بادئ ذي بدء بين الطائفتين المسيحيتين الرئيسيتين البروتستانت والكاثوليك، ثم غدت بمرور الوقت سياسية تهدف إلى الهيمنة. وفي ظني أن المسلمين يكررون التاريخ، والمأساة، وأن الغرب يرى في ذلك فرصة مواتية تئد أي أمل في النهوض.

ليت الغرب يتواضع قليلاً، ويتذكر أن حضارته انبعثت من رحم الدم والدمار، وأن طريقة حياتهم وثقافتهم ليست الأصلح للعالم دون اعتراف بالفوارق والاختلافات، ودون إكراه في دفع الآخرين لاعتناقها بالقوة ..

ليت الغرب يتواضع قليلا، ويتذكر أن حضارته انبعثت من رحم الدم والدمار، وأن طريقة حياتهم وثقافتهم ليست الأصلح للعالم دون اعتراف بالفوارق والاختلافات، ودون إكراه في دفع الآخرين لاعتناقها بالقوة عن طريق نشر الديمقراطية، وعولمة تشريعات حقوق الإنسان، والحريات، وفرض الإصلاحات التي تنسجم مع قيمه وتحقق مصالحه دون سواه. ولا ضير في مبدأ المشاركة بما هو الأفضل للبشرية، إذا كان الهدف حياة أفضل، واحتراما أكبر لحقوق الإنسان، واجتهادا مخلصا في الوصول إلى مستوى الحكم الرشيد. وإنما الضير كل الضير في المعايير المزدوجة التي يمارسها الغرب.

الحكم الرشيد، والسلام والتعايش ليست ثقافة أصيلة في المكون الغربي، ولكنها طفرة عابرة أنتجت هذه الحضارة المادية التي أفادت البشرية بدون استثناء. الولوج إلى التفاصيل يعني أن أوروبا تتكئ على تاريخ دموي لم يعرف له العالم مثيلا، وهو ليس ضاربا في القدم بحيث تتوه عنه الذاكرة، ولكن أحدث فصوله لا يتجاوز عمره سبعة عقود تقريبا، ما يعني أن هناك من الأحياء من تجرع مرارة الحرب وتلوث بغبار العنصرية، واكتوى من نيران الحرب العالمية الثانية. ولكن الأكثر عارا أن هذا التاريخ القصير من النهضة والسفر المفتوح من الإنسانية ارتكب من المآسي في حق غير الأوروبيين ما يعدل في بشاعته الحربين الأولى والثانية.

وإذا سردنا تاريخ المعسكر الغربي الحديث فإن اختطاف بلد من سكانه، وتقديمه قربانا للضمير الأوروبي والأميركي، وتعويضا لليهود يفرّغ دعاوى الحرية من مضامينها، كما أن انتهاك حرمة أفغانستان وتقديمها بسكانها هدية بين يدي النظام العالمي لتكون ميدانا لتصفية الأحقاد الأيديولوجية بين الرأسمالية والشيوعية يعتبر أنانية مفرطة من المعسكر الرأسمالي، الذي تعامل مع الأفغان وكأنهم دمى على مسرح العرائس، أو أكياس تدريب في حلبة ملاكمة، وليس كبشر لهم حقوق ويدخلون ضمن ولاية المشروع الغربي في الدفاع عن الإنسان.

الغرور الغربي صنع حالة وهمية من المثالية ارتقت إلى هالة من الاستعلاء والاستكبار فصمت الداخل الغربي عن سماع الحقيقة، وأعمته عن رؤية الواقع البشع الذي صنعته أيديهم في المختلف معهم سواء أكان داخل أوروبا وأميركا أو خارجها. حالة الانبهار التي تغيب الملكة النقدية لدى الأضعف تجعله يستفرغ طاقته في تعداد محاسن الغرب والتغافل عن عيوبه، فأصبح بجهودنا المثلَ الأعلى لأبنائنا. ولو أنصفنا لسلمنا بأن أساس المقارنة بين حال العالم الثالث والأول غير موجود. فهم يدعون أنهم في المقدمة ونحن في المؤخرة. فكيف نشغل أنفسنا بالمقارنات الخاسرة.

الإنسانية ليست رحما بين بني البشر في المتخيل الغربي، وإنما الانتماء الفكري والعرقي يدنيك من نعيم العالم الأول أو يبقيك في الدرك الأسفل منه. الشواهد كثيرة في هذا المجال أكتفي منها بسجن أبو غريب، وخليج غوانتانامو، وحلب، والموصل، وسورية عموما، والأحواز، والسنة العرب أينما كانوا. وأذكر منها الازدواجية في تعريف الإرهاب والعمليات الإرهابية بناء على فكر ولون مرتكب الجرائم وضحاياها.

مندوب الاتحاد الأوروبي في العراق يخول رئيس الحشد الشعبي بفعل ما يريد في العرب السنة، فقد غفر له الغرب مقدما. والمعسكر الغربي نصب المشانق لصدام حسين تحت عنوان حقوق الأقليات التي انتهكها، بينما يفتح أذرعته لاحتضان بشار الأسد فهو الأكفأ على حماية حقوق الأقليات، ويفعل الشيء ذاته مع إيران فرع العراق.

وعلى مستوى الممارسات الداخلية للنخب الغربية فإن المرشحين يشتمون الدول النفطية العربية، ويرجمونها بكل مفردة بذيئة، فإذا وصلوا إلى الحكم كانت تلك الدول هي أساس بقائهم باستثماراتها وتعاقداتها واستيرادها وتجارتها معهم. طبعا هذا ليس نفاقا، ولكنه سياسة وفق المعايير الغربية التي تحلل لها ما تمنعه على الضعفاء.

الصحافيون أيضا، يفرش لهم السجاد الأحمر في زيارات من فئة النجوم الخمسة، فتدفع الأموال عن طريق شركات العلاقات العامة، وتوزع الهبات النقدية، ويسكنون في أغلى الفنادق، ويركبون سيارات لم يركبوها من قبل، وبالطبع فإن هذا في عرفهم ليس رشوة وإنما هو حق معلوم لا يستوجب حتى الشكر بكف الأذى واجتناب الكذب والتزوير.

حري بالغرب أن يتواضع قليلا، فكلنا في النفاق سواء، ونتمايز في فنون الفساد، وما كان غائبا بالأمس هو اليوم حق مشاع لكافة البشر على شبكات التواصل الاجتماعي.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا