مقالات / اليوم السعودية

استبداد الأفكار

الاستبداد كلمة كالحة زرقاء العينين عليها وجه أسود، كما يقول بشار. ومن الغريب أن توصف بها الأفكار، فالأفكار قد تكون قاسية، ولكنها لا تكون كذلك إلا على من لا يستطيع تجاوز ما هو عليه، أي القدرة على تجاوز ذاته، وقد قيل «كم هو مخجل أن يبلغ المرء حده وأن يرضى بهذا الحد».

حين تستبد الأفكار بمن أنتجها تبني حوله سورا، بل سجنا لا يستطيع الخروج منه حتى لو أراد ذلك، فكثير من المبدعين يقف عن الإنتاج الناضح حين بلوغ مرحلة معينة من العمر أو يستمر مكررا نفسه. يقول الفارابي: «الذهن يحتله الأسبق إليه» فاذا لم يكافح المبدع ضد هذا الاحتلال بقي سجينا لما اعتاده من الأفكار التي تتخلف عن الاستجابة لعصرها والاجابة عن أسئلته وفي هذا الإجابة عن السؤال الأزلي المتكرر «لماذا يقف معظم المبدعين عن الإبداع في حال بلوغهم مرحلة من الزمن؟» أما ابن رشيق فقد قال منذ قرون: «كل قديم من الشعراء هو محدث في زمانه بالاضافة الى من كان قبله» وقد طرح هذا الموضوع اثنان من كتابنا المعاصرين هما الدكتورة خالدة سعيد والاستاذ عبدالله عبدالدايم. إن التاريخ يطل من بابه العالي على كل جيل إطلالة جديدة، ولكنها ليست منفصلة انفصالا تاما عما كان قبلها ولذا يختلف الناس فيها فبعضهم لا يخرج عما قبلها، ولا يقف عند هذا الحد، بل ينظر الى من خلفها وراءه نظرة ازدراء، بل نظرة تكفير باعتباره خارجا عن الصراط.

هذه هي المشكلة الدائمة بين القديم وبين الجديد وكم لقي المفكرون ويلقون ضروبا من الاضطهاد والعزل باعتبار أنهم شاذون عن المجتمع في حين أنهم يقومون بمهمة المصابيح في مجتمعاتهم أما بعضهم فلا يعيقه الموت عن البوح بما يريد، يقول شوقي بغدادي:

ماذا أقول لمن يموت

وملء عينيه ابتسامة؟

ولمن يسير وقد تيقن

أن مصرعه أمامه؟

ماذا يفكر هؤلاء

العازفون عن السلامة؟

إنهم يفكرون يا شوقي في أهداف تسبغ على الحياة معنى مضيئا وتنقلها من جدب إلى حقل ناضج الثمر.

مواضيع ذات علاقة

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا