الارشيف / مقالات / الشرق الاوسط

مستقبل العراق يتوقف على توحيد مكوناته

  • 1/2
  • 2/2

الخميس - 29 جمادى الأولى 1439 هـ - 15 فبراير 2018 مـ رقم العدد [14324]

وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط من 2010 وحتى 2013, وعضو في مجلس العموم.

في مثل هذا الوقت من العام الماضي، كانت القوات العراقية الشجاعة تخوض واحدة من أشرس معارك المدن منذ الحرب العالمية الثانية، لتحرير الموصل التي كانت معقلاً لـ«داعش».
وما زلنا حتى يومنا هذا نرى آثار تلك المعركة. لقد كانت وطأتها على غرب الموصل كارثية بشكل يفوق كل تصوّر. فقد لحقت الأضرار بكل بناية من البنايات تقريباً، ومع أنه تم رفع كثير من الأنقاض، إلا أن الطرقات ما زالت مزروعة بالألغام الأرضية والشراك المفخّخة والعبوات الناسفة محلية الصنع.
إن إعادة بناء المدينة قد يكلِّف بريطانيا مئات المليارات من الجنيهات. وحتى لو أننا خصّصنا كل ميزانية المساعدات التي نقدمها لهذه المهمة بالذات على مدى عدة سنوات مقبلة، فإننا لن نستطيع إتمامها وحدنا. فهذه، بصراحة، جهود يجب أن تكون دولية.
بيد أن إعادة إعمار العراق ليست مجرّد طوب وحجارة وإسمنت؛ بل إنها أيضاً تنشيط للاقتصاد من جديد، وإعادة اللّحمة لأطياف المجتمع، وتمكين الناس من استعادة حياتهم الطبيعية.
وقد التقى القادة الدوليون في الكويت يوم الثلاثاء (أول من أمس) لحشد الدعم والوقوف وراء إعادة إعمار العراق. والمملكة المتحدة تقف بحزم شريكاً طويل الأمد لمساعدة الحكومة العراقية في مواجهة ما يتعرض له أمنها واستقرارها من تهديدات. وقد سبق لرئيسة الوزراء أن تعهدت بذلك عندما زارت العراق في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
في هذا المؤتمر، شرحتُ كيف أن المملكة المتحدة تبذل كل ما في استطاعتها، مستعينة بخبراتها لتحقيق أفضل النتائج. ذلك يعني تقديم مساعدات إنسانية موجّهة بدرجة كبيرة خدمة لأكثر الناس احتياجاً لها.
لقد قدّمنا حتى الآن مليار جنيه إسترليني من المخصصات السنوية لتمويل الصادرات، للسنوات العشر المقبلة، لمساعدة الشركات البريطانية في تنفيذ مشروعات بنية تحتية ضخمة.
وخلال الشهر الماضي أعلنّا عن اتفاق جديد تتولى بموجبه «الخدمات العالمية» لشركة «جنرال إلكتريك» (GE Global Services UK) تحديث وتصليح توربينات الرياح، وهو ما سيوفر تياراً كهربائياً مستداماً لملايين العائلات العراقية.
كما نقدم المساعدة أيضاً في مجال تقييم أوضاع أكبر مستشفيات العراق، ويعمل الخبراء البريطانيون الشجعان مع العراقيين لإزالة الألغام من المنطقة المحيطة بمستشفى الموصل الرئيسي؛ وهي عملية كبيرة، حيث إن العمل فيها ما زال مستمراً رغم مرور أشهر كثيرة.
وأعلنت يوم الثلاثاء عن حزمة جديدة من أنواع الدعم الذي ستقدمه المملكة المتحدة لأشدِّ الناس عوَزاً. من شأن ذلك مضاعفة عدد المنازل التي نبنيها في غرب الموصل، إضافة إلى توفير المياه النظيفة لأكثر من نصف مليون شخص حتى لا يقعوا فريسة لمرض الكوليرا أو غيره من الأمراض التي يمكن الوقاية منها.
غير أن هذه الجهود كلها سوف تذهب أدراج الرياح إذا لم نعمل على بناء مجتمع متسامح وقوي وشامل للجميع.
إن أصعب التحديات وأهمها في الوقت ذاته هو تعافي أطياف المجتمع التي مزقها العنف وما بثّه تنظيم داعش من أحقاد. فمستقبل العراق متوقّف على دعم كل أبناء الشعب العراقي، بغض النظر عن دياناتهم أو أعراقهم أو ثقافاتهم أو عقائدهم.
فلا بدّ من أن يكون للجميع؛ من السنّة والشيعة والمسيحيين والإيزيديين وأتباع الديانات الأخرى، مكان في عراقٍ موحَّد يمثِّلهم كلهم ويشملهم جميعاً. وعلى العرب والأكراد والتركمان أن يعيدوا إعمار بلدهم معاً ويتعافوا معاً.
وتشتدّ الحاجة إلى سرعة تحقيق المصالحة بوضوح أكبر عندما تنظرون إلى النشء الجديد الذي كبُر تحت حكم «داعش». لقد كانوا أكثر من عانى. هم من قاسوا من التشوّه والاختطاف والاغتصاب وغسل الدماغ على أيدي جماعات مسلحة. وبعد سنوات من الرعب والاضطهاد، تبدو عليهم بوضوح علامات التوتر والألم نتيجة ما عانوه.
يحتاج الناجون من «داعش» إلى علاج عاجل لصحتهم العقلية كي يتمكنوا من العودة لممارسة حياتهم الطبيعية. إنهم بحاجة إلى أن يروا لهم مكاناً في مستقبل بلدهم.
لهذا السبب تعمل المملكة المتحدة مع اليونيسيف وتقدِّم دعماً تخصصياً يشتمل على مساعدة واستشارات نفسانية لنحو 12 ألفاً من أكثر أطفال العراق ضعفاً، ومنهم من فقدوا آباءهم.
فمن خلال مساعدة الفئات الأشدّ ضعفاً، نُساهم في ضمان عدم بروز التطرف مجدداً في العراق.
وتترتّب على هذا الأمر، بطبيعة الحال، نتائج حقيقية على أمننا القومي نحن، ولسوف نفعل كل ما نقدر عليه للحيلولة دون سقوط العراق في براثن فوضى آيديولوجية متطرفة.
وعليه، فإن مستقبل العراق لن يقاس بعدد المنازل التي بُنيت، أو بسرعة استعادة البنية التحتية، رغم ما لهذه الأمور من أهمية... مستقبل العراق يقاس بناء على مدى القدرة على إعادة اللّحمة إلى أطياف مجتمعه المقسّمة، لبناء سلام واستقرار دائميْن... مستقبل البلاد متوقّف على دعم كل أبناء الشعب العراقي، بغض النظر عن دياناتهم أو أعراقهم أو ثقافاتهم أو عقائدهم.
* وزير شؤون الشرق الأوسط
بالخارجية البريطانية

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا