مقالات / الشرق الاوسط

إندونيسيا... إرهاب العائلة الواحدة

  • 1/2
  • 2/2

الخميس - 2 شهر رمضان 1439 هـ - 17 مايو 2018 مـ رقم العدد [14415]

كاتب سعودي

ما حدث في إندونيسيا الأيام الفائتة مؤشر خطر جداً على قدرة الإرهاب الحديث على تغيير الجلد وإعادة الإنتاج والنهوض مجدداً، حيث بإمكانه أن ينبعث بشكل غير متوقع على مستوى المكان والزمان والظروف المصاحبة.
إندونيسيا هي أكبر دولة إسلامية، إذ يصل تعداد سكانها إلى 270 مليون نسمة، وهي واحدة من أكثرها تسامحاً على مستوى الإثنيات التي في داخلها، وحتى الأحداث الإرهابية في العقدين الماضيين كانت تعرف بصمات تنظيم «القاعدة» وتكتيكه في استهداف السياح الأجانب، بهدف الضغط على حكوماتهم واستغلال ضخامة العملية إعلامياً.
إرهاب «داعش» اليوم مختلف على مستوى التجنيد والأهداف وحتى طرائق الوصول إلى شرائح مختلفة من المجتمع، فقد عرفنا مع إرهاب «داعش» أنماطاً جديدة من تحديات العنف المسلح والآيديولوجيا العنفية بدءاً بإرهاب الهويّات القلقة وحتى هجمات الذئاب المنفردة، وإرهاب الدهس الفوضوي والقائمة تطول، لكن المثير جداً الذي يدعو للأسف والدهشة من «تطور الإرهاب» - إن جاز التعبير - هو أن يتم تجنيد عائلة كاملة للقيام بعملية انتحارية كما حدث في تفجير ثلاث كنائس في إندونيسيا راح ضحيته 13 شخصاً وإصابة 40 بمدينة سورابايا.
بحسب رانس بارونج مانجيرا المتحدث باسم شرطة جاوة الشرقية في حديثه عن العملية الكبيرة لـ«داعش» في المؤتمر الصحافي، فقد توزعت الأسرة ضمن سياق خطة محكمة، حيث قاد الزوج سيارته من طراز أفانزا المفخخة بالمتفجرات واقتحم الكنيسة، بينما سارت زوجته وابنتاه باتجاه كنيسة ثانية، فيما قاد الولدان دراجة نارية محتضنين قنبلة بينهما باتجاه كنيسة ثالثة.
وبحسب تقديرات مراكز بحثية في إندونيسيا هناك صعود كبير لفكر «داعش» في مجموعات مهمشة وأخرى لها مكانتها على المستوى التعليمي والقيادي، لكنها مستلبة فكرياً ومأخوذة بوعود «داعش» التي ترسلها بشكل تسويقي ذكي وفعال ومنتجات تخاطب كل أفراد العائلة من الأهازيج الحماسية إلى الخطاب السياسي المأزوم، وصولاً إلى ألعاب الفيديو والأفلام بإخراج سينمائي، وحتى التدريب على اقتحام مناخات جديدة مثل «الويب المظلم» Dark web والقدرة على التعامل مع حسابات البيتكوين وشبكات الاختلاس، وكل المحظورات التي يسوّق لها تنظيم داعش على أنها جزء من «الجهاد الإلكتروني».
تنظيم داعش يستثمر في قارة آسيا بشكل فعال هذه الأيام، وينوي إقامة ما يسميه «خلافة» في تلك البلدان، مستغلاً حالة التركيز الدولي على مناطق التوتر في سوريا والعراق، والمثير في استثمارات «داعش» الجديدة أنها تشمل الأشخاص بمختلف أعمارهم والأسر بشكل كامل، إضافة إلى الاستثمار في التنظيمات وابتلاعها لصالحه.
تنظيم داعش أو ما يطلق عليه «أنصار الدولة» في إندونيسيا هي مظلة آيديولوجية تضم تحتها 21 تياراً مقاتلاً ينتمي إلى «تنظيمات جهادية» قديمة وأخرى محلية، ويتزعم التنظيم أمان عبد الرحمن الذي يقضي فترة عقوبة داخل السجن بسبب تورطه في التخطيط لتفجير في حي تجاري وسط جاكرتا.
العائلة التي تم اجتذابها لفكر «داعش» لم تكن تنتمي للتنظيم بشكل هرمي، بل تأثرت بصورة «دولة الخلافة» كما يقدمها إعلام «داعش» خصوصاً في منتجاتها عن «أسلوب الحياة» الداعشي، ويوتوبيا العيش في كنف أمير المؤمنين.
ينافس «أنصار الدولة» تنظيم «القاعدة» الذي تعمل تحته «الجماعة الإسلامية» ذات التاريخ الدامي في أقسى تفجيرات عرفتها البلاد، مثل تفجير احتفالات رأس السنة عام 2000 في جاكرتا، وتفجير النادي الليلي في بالي عام 2002، وتفجير فندق ماريوت في جاكرتا عام 2003، وتفجير السفارة الأسترالية في جاكرتا عام 2004، وكلها عكست أرقاماً قياسية على مستوى القتلى والجرحى.
الدخول في كنف «داعش» غالباً هو قرار قيادي في الجماعات المسلحة المحلية وذات التكوين الوطني، وما يرجح مثل هذه الوكالة التي يمنحها الأمير المحلي لخليفة «داعش» البغدادي، هو علاقة شخصية مهمة مثل «بحر النعيم» الشخصية الأهم في تاريخ «أنصار الدولة»، الذي دمج تنظيمه كتيبة نوسنتاره بـ«داعش» كما هو الحال مع تنظيمات محلية كثيرة في شرق آسيا بما فيها إندونيسيا وماليزيا والفلبين.
التنظيمات المتطرفة تتبادل الأدوار والولاءات وحتى الأهداف واستراتيجيات العمل، فانكماش «داعش» في مناطق التوتر، بسبب التركيز من قبل المجتمع الدولي، يقابله تمدد في مواقع نائية وبعيدة والاستفادة من التنظيمات المحلية التي تتنامى في مناطق كثيرة من قارة آسيا. التنظيم يحاول أن يجد له موطئ قدم في كل مناطق العالم، وإذا تم استثناء القيادات والكوادر المؤثرة التي لا تزال في مناطق التوتر، فإن استراتيجية التنظيم تقضي بعودة المقاتلين الأجانب والهواة بهدف التحول إلى قنابل موقوتة في بلدانهم الأصلية، والتنظيم يتكفل بإرسال الأموال خارج منطقة النزاع لمناصريه.
«داعش» يتفوق على «القاعدة» الآن رغم انبعاث «القاعدة» مجدداً مستفيدة من إرثها الآيديولوجي العنيف، إلا أن تنظيم داعش استعاض عن ذلك الإرث بالمنتجات الإعلامية والمجلات باللغات المختلفة واللغة البصرية التي احترفها ببراعة عبر فيديوهات ومقاطع صوتية، كانت أهم أسلحته في استقطاب الفئة السِّنية الأصغر، ممن لم يخض أصحابها تجربة القتال سابقاً، وربما حتى لم يمروا بتجربة تَدَيُّن متطرف، بينما ندرك أن تنظيم «القاعدة» يحظى بإرث وتدوينات كبيرة ورموز وقياديين لهم تأثير استغله التنظيم مؤخراً في قارة آسيا وأفريقيا لدعوة الساخطين على تجربة «داعش» إلى الانضمام إليه والعمل تحت مظلته المعولمة.
في عام 2014 سافر مئات من الإندونيسيين إلى محافظة الرقة للقتال منذ لحظة إعلانها عاصمة لـ«داعش»، وهو ما يعني أن الاندماج هو جزء من بيعة لفروع التنظيمات الإندونيسية لـ«داعش» عبر المقاتلين العابرين للحدود، وهم أهم فئة قادرة على تصدير فكرة العنف والدعاية لتنظيم داعش وهو ما يعيد طرح ملف المقاتلين الأجانب الذي يتطلب الكثير من المؤتمرات والفعالية البحثية لفهم المرحلة المقبلة واستشرافها.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا