مقالات / الشرق الاوسط

هذا ما تبدو عليه الديمقراطية

يذكرنا جيف جاكوبي من صحيفة «بوسطن غلوب» بقرب الذكرى السنوية السبعين لأحد أبرز الأحداث في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية: خطاب هوبرت همفري حول الحقوق المدنية في المؤتمر الوطني الديمقراطي في عام 1948، والتصويت الذي أعقبه على منصة الحقوق المدنية.
لم يكن انتصار هوبرت همفري الكبير في عام 1948 هو الخطوة المهمة الأولى التي اتخذها الديمقراطيون في التحول من ماضي قوانين «جيم كرو» العنصرية المقيتة نحو مستقبل الحقوق المدنية لديهم – التي من المحتمل أن تمثل نهاية لقاعدة العمل بالثلثين في عام 1936، والتي أنهت الفيتو الجنوبي على الترشيحات الرئاسية الديمقراطية. ولم يكن ذلك كافياً: فلقد خاض المرشح الرئاسي الديمقراطي آنذاك، أدلاي ستيفنسون في عامي 1952 و1956، مرشحاً معتدلاً في أفضل أحواله فيما يتعلق بهذه القضية. لكنها كانت خطوة مهمة للغاية بكل تأكيد على الرغم من ذلك. وبعض الديمقراطيين الجنوبيين الذين انشقوا عن عباءة الحزب في عام 1948 لم يعاودوا الانضمام إليه منذ ذلك الحين، ومع انتقالهم مع خلفائهم إلى حظيرة الحزب الجمهوري، صار فصيل الديمقراطيين المتعصبين أصغر وأصغر مع مرور الوقت.
وإنها من القصص المهمة في تاريخ حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، وهي تعكس في الوقت نفسه مثالاً ممتازاً لكيفية عمل الديمقراطية الأميركية.
وذلك من جانب واحد مهم، ألا وهو أنها تدل على الأهمية القصوى للقرارات الداخلية في الحزب. ولا تخضع تلك القرارات كافة للتصويت العام داخل منظمات الحزب الرسمية، كما حدث مع هذا القرار على وجه التحديد. وفي بعض الأحيان، يتم التوصل إلى القرارات التي تنطوي على توافق في الآراء من خلال شبكة الأطراف غير الرسمية في الحزب، بدلاً من المعركة العلنية؛ إذ يتبين أن القرارات الحاسمة تُتخذ بين عدد من المرشحين المختلفين، المدعومين من قبل تحالفات سياسية متنوعة، من أجل الترشح الرئاسي – كما حدث مع ترشيح باري غولدووتر من قبل الجمهوريين في عام 1964؛ الأمر الذي يمثل الانتصار الأول للتحالف المحافظ في ذلك الحزب الكبير. أو ربما ينطوي الأمر ممارسة الضغوط على المرشحين لقبول أولويات الحزب – ولنتصور كيفية دعم كل من باراك أوباما وهيلاري كلينتون وجون إدواردز (على اختلافات طفيفة) الإطار الأساسي الذي تحول إلى قانون الرعاية بالتكلفة الميسرة، أو الطريقة التي يتعهد بها المرشحون الجمهوريون لمنصب الرئاسة لمواجهة رفع الضرائب.
ومع ذلك، فإن هذه القرارات تعكس كيفية ظهور الخيارات السياسية الجديدة وتتحول إلى خيارات معقولة للمؤسسة الحاكمة. كما أن مقدرة مختلف الجهات الحزبية على اقتراح التوجهات الجديدة وإتاحة فرصة ذات مغزى لاعتمادها هي من الأمور الضرورية تماماً للديمقراطية الأميركية. وهذا لا يعني أن الديمقراطية البينية داخل الأحزاب يجب أن تتبع نموذجاً معيناً يتعين من خلاله على الناخبين تقرير اتجاهات الحزب من خلال الانتخابات التمهيدية أو غير ذلك من الآليات الأخرى. لكن الأمر يعني، رغم ذلك، ضرورة وجود شكل من أشكال الديمقراطية البينية إذا ما أُريد للأمة بأسرها أن تكون ديمقراطية.
وتعكس المسيرة نحو الحقوق المدنية أيضاً سبب الأهمية القصوى للتصويت. لم يكن خيار الديمقراطيين للتحرك نحو الحقوق المدنية متعلقاً بالسياسيين الشماليين فحسب، من الذين اكتسبوا ضميراً وحساً خاصَين من خلال النظر إلى التفوق الأبيض في جنوب البلاد. وكان المهم بشكل عام هو أن المواطنين الأفارقة يتحركون نحو الشمال ويبدأون في التصويت داخل مدنهم الجديدة.
وما يعكسه كل ذلك هو الأهمية الكبيرة للتصويت ذاته – والأهم، من بعض النواحي، مما إذا كان أي تصويت بعينه مهماً في تحويل مسار الانتخابات (رغم أنه ساعد بالتأكيد في أن تصويت الأفارقة كان يُنظر إليه باعتباره تصويتاً متأرجحاً). يحاول السياسيون تمثيل مناطقهم. لكن في غياب التصويت، يصبح الناخبون غير مرئيين إلى حد كبير بالنسبة للمسؤولين المنتخبين. وبطبيعة الحال، كان من المهم أيضاً أن بعضاً من هؤلاء الناخبين بدأوا في انتخاب السياسيين الأفارقة، الذين حاربوا ضمن صفوف الحزب الديمقراطي لما رغب فيه الناخبون – ولأنفسهم، ولغيرهم من المواطنين الأميركيين الأفارقة.
لا تعمل العمليات الديمقراطية بشكل كامل على الدوام في الولايات المتحدة الأميركية. لكن في غياب التصويت – ومن دون وجود الأحزاب السياسية القوية – فلن تكون لديهم أي فرصة على الإطلاق.

- بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا