مقالات / الشرق الاوسط

المشهد السياسي الليبي وإعادة التشكل

صراع الزعامات في المشهد السياسي الليبي، في ظل اختلاف الأهداف الوطنية، وتغليب النعرات الذاتية على الوطنية، هو السبب الحقيقي المغيب عن ترجمة لغز الحل السياسي.
ولكن تفاعلات أحداث العاصمة طرابلس، الرهينة لميليشيات «الإسلام السياسي» وعصابات نهب المال العام، التي ألقت بظلالها على المشهد السياسي الليبي، بعد انسداد أفق التسوية السياسية، قد تكون مقدمة وإرهاصات تعيد تشكيل المشهد السياسي، وظهور أجسام جديدة واختفاء أخرى، تتعلق بالواقع السياسي الليبي ومستقبله، خصوصاً بعد أن أعلن 80 نائباً، من 104 كانوا سابقاً قد أعلنوا
دعمهم لحكومة السراج، في بيان، أن «المجلس الرئاسي لم يعد - بوضعه الحالي - يمثل مفهوم التوافق الوطني المنصوص عليه في الاتفاق السياسي الليبي»، وفي ظل دعوات رئيس مجلس النواب إلى الذهاب إلى انتخاب رئيس للبلاد بشكل مباشر، الأمر الذي تعارضه، وتسببت في تغييبه لسبع سنوات، جماعة تنظيم الإخوان، لمعرفتها خسارة منصب الرئيس في أي استحقاق انتخابي، ولهذا سعت إلى تغييب منصب الرئيس.
توجه النواب، بأغلبية ساحقة، لإسقاط مجلس السراج وحكومته، التي هي في الأصل غير دستورية (لعدم تضمينها الاتفاق السياسي)، يعتبر خطوة مهمة في المشهد السياسي الليبي المتقلب، المتنوع الأوجه، الفاقد لأي فرصة حل خارج إنهاء وجود الوجوه السياسية الحالية، وغروبها عبر انتخابات جديدة تحت إشراف الأمم المتحدة، لعلها تأتي بأجسام سياسية ليست استنساخاً من تلك المنتهية من سبع سنين عجاف، كالمؤتمر الوطني الذي استنسخه أصحاب المصالح في توطين وإعادة تدوير جماعات «الإسلام السياسي»، بعد خسارته الكارثية في الانتخابات السابقة، التي انقلب على نتائجها بحرب «فجر ليبيا»، التي دمرت مؤسسات الدولة، ومنها مطار طرابلس العالمي، وأسطول طائراته، وأحرقت خزانات الوقود.
فالمشهد السياسي الليبي، الذي تتناطح فيه أحزاب سياسية كرتونية لا قاعدة شعبية لها، في مجتمع تركيبته قبلية، ولم يعرف تاريخاً سياسياً أو ممارسة حزبية تذكر، يعاد تشكله اليوم من خلال حراك متنوع، سياسي وعسكري، لو تمت الاستفادة منه لدعم المؤسسة العسكرية، وتوحيد الجيش الليبي، لهزمت الميليشيات في زمن قريب، ولتمّ افتكاك العاصمة من سطوة ميليشيات «الإسلام السياسي»، والأخرى القبلية والمناطقية، التي تسيطر على العاصمة من خلال ميليشيات مختلفة ومتنوعة، خصوصاً بعد فشل حكومة السراج، وأرقام فساد في ملفات النائب العام منها: وجود 700 موفد للدراسة العليا بالخارج ليس لديهم شهادة إعدادية وابتدائية، وهناك 622 مخبزاً وهمياً في مدينة طرابلس وضواحيها يتسلم مخصصاته من الدقيق المدعوم بشكل منتظم، حسب تقارير ديوان المحاسبة، و450 محطة وقود وهمية داخل نطاق بلديات مدينة طرابلس، حسب تصريحات النائب العام، وأكثر من 200 جمعية استهلاكية وهمية في نطاق مدينة طرابلس، ووجود 674 طالباً على مستوى المنطقة الغربية موفداً للدراسة العليا بالخارج، لا يملكون أبسط المؤهلات اللازمة للإيفاد، حسب قرار صادر من وزارة تعليم حكومة السراج، حكومة «الوفاق».
العاصمة تعاني من وجود ميليشيات مناطقية وقبلية من مصراتة والزاوية والزنتان، وميليشيات آيديولوجية تابعة لتنظيمي الإخوان والقاعدة، تتقاسم النفوذ والسيطرة على العاصمة ومؤسسات الدولة السيادية، بما فيها البنك المركزي الذي هو الآخر تحت سطوة تنظيم الإخوان، مما يعني حقيقة غياب سلطة الدولة، المتمثلة في الحكومة، وبالتالي من يحكم العاصمة طرابلس هي الميليشيات القبلية والآيديولوجية.
فليبيا ليست دولة متعددة الأعراق، ولا الديانات، وسكانها 100 في المائة مسلمون، وبالتالي سهولة الحل فيها ممكنة، متى خرجت الأطراف الدولية العابثة من المشهد، فالحل قد يبدأ من التخلص من النعرات الذاتية، وخروج الأغلبية الصامتة عن صمتها، وانتفاض أهالي طرابلس على هذه الميليشيات، يتبعه تدخل قوات للجيش الليبي لإنهاء وجود هذه الميليشيات التي لا تخدم سوى مصالح زعمائها من أمراء الحرب، سواء القبليين أو المؤدلجين بفكر «الإسلام السياسي» وتبعاته، من القادمين من جبال تورا بورا.
فليبيا ستعيد تشكيل مشهدها السياسي بسواعد وطنية، ولن تبقى أسيرة الميليشيات، وإهدار المال العام، بعد ضياع مواردها بين زمن محاولات تحقيق أحلام القذافي، وتعجله الوحدة العربية ثم الأفريقية، إلى هوس ومطامع تنظيم الإخوان، وباقي جماعات الإسلام السياسي، بمشروع «الخلافة»، وجميع مصاريفها من البنك المركزي الليبي، بين زمن سبتمبر (أيلول) وزمن فبراير (شباط)، بينما ليبيا تركت كماً مهملاً.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا