مقالات / الشرق الاوسط

ليبيا... عمليات إرهابية لنهب المال العام

حين اقتحموا مقر المفوضية العامة للانتخابات في العاصمة طرابلس، وقتلوا أفراد دورية الحراسة ثم مضوا يقتلون كل من يقابلهم في الممرات والمكاتب، وحين أصابهم التعب أو نفدت ذخيرتهم انتحروا مفجرين أنفسهم متحولين إلى قطع لحم محترقة، خرج علينا من نصّبوا أنفسهم مسؤولين أمنيين وأعلنوا أن الفاعلين من ذوي البشرة السمراء، وأن منظومة الانتخابات الإلكترونية لم تصب بأذى. ترحمنا على من مات من الشباب دون جريرة، وبلعنا بأسى ما قيل لنا من أعذار، وحمدنا الله على سلامة المنظومة ثم عدنا مسكونين بالرعب لاستئناف أعمالنا وحيواتنا.
في المرة الثانية اقتحموا مقر المؤسسة الوطنية العامة للنفط، وقتلوا عناصر الحراسة ثم دخلوا المقر وبدأوا كسابقيهم في القتل والتدمير وانتهوا أخيراً منتحرين مفجرين أنفسهم متحولين إلى قطع لحم محترقة، وخرج علينا من نصبوا أنفسهم مسؤولين أمنيين وأعلنوا أن الفاعلين من ذوي البشرة السمراء. فترحمنا على من مات من شبابنا من دون جريرة، وعدنا مسكونين بخوف مدمر على أولادنا لاستئناف أعمالنا وحيواتنا مستريبين في كل من يقابلنا في الطرق من ذوي البشرة السمراء.
في المرة الثالثة اقتحموا مقر وزارة الخارجية والتعاون الدولي وقتلوا بعض عناصر الحراسة ثم هرعوا إلى المقر الرخامي حيث مكاتب الوزير ووكلاء الوزارة ومديري الإدارات وقتلوا أحد مديري الإدارات، وجرحوا عدداً لا بأس به من الموظفين ثم في الخاتمة فجروا أنفسهم منتحرين تاركين وراءهم مكاتب الوزارة تحترق والدخان الأسود على شكل عمود يمكن رؤيته من مسافات بعيدة. هذه المرة أيضاً خرج علينا من نصبوا أنفسهم مسؤولين أمنيين وأعلنوا أن الفاعلين هم من ذوي البشرة السمراء. فترحمنا على من مات من دون جريرة وتمنينا الشفاء العاجل لمن جرح وأطلقنا ألسنتنا بالشتم واللعن لهؤلاء، وعدنا نجرجر خطانا على أرض لم نعد نعرفها، وفي طريقنا إلى استئناف حياة لم تعد إلا موتاً مترصداً بنا في كل زاوية.
ثلاث عمليات انتحارية في قلب العاصمة طرابلس الغرب التي يوجد بها الآلاف من كوادر الميليشيات المسلحة القابضة على المدينة بأيادٍ من حديد، تسببت في حدوث قتلى وجرحي وأضرار مادية كبيرة، وفي كل مرة يكون الفاعلون من ذوي البشرة السمراء، مما يعني ضمنياً أننا كليبيين لن نعرف هوياتهم، ولا من هم، ولا من أرسلهم أو لماذا؟ ولا الجهة المنتفعة من العمليات والتي تصر على الإمساك بالخيوط في أياديها بغرض تحويل حياة الليبيين إلى كابوس لا ينتهي.
بعد كل عملية انتحارية يتعهد هؤلاء المسؤولون الأمنيون بملاحقة وبالكشف على مدبري العملية وتقديمهم لعدالة لا وجود فعلياً لها، وفي كل مرة يمر الوقت ويبلعون وعودهم ويعودون إلى ممارسة ما يجيدونه أكثر: الاحتراب على نهب المال العام ونشر الرعب والفساد.
المقصود بذوي البشرة السمراء في القاموس اليومي الليبي المهاجرون الأفارقة الموجودون على الأراضي الليبية، في طريقهم إلى ركوب البحر وعبوره على أمل وصولهم إلى مدن أوروبا، والذين تمتلئ بهم أسواق طرابلس وساحاتها عارضين أنفسهم في سوق العمالة لمن يريد بعد أن تمكنوا من قطع الصحراء الكبرى، واجتازوا أهوالها بمساعدة مهربين من أهل البلاد ومن خارجها، ممن خبروا الصحراء وأتقنوا تهريب البشر ومضاعفة ثرواتهم من الدولار الأميركي.
هناك نتائج مباشرة لما سمي بعملية فجر ليبيا التي قام بها الإسلاميون عام 2014، بعد هزيمتهم المُرة في الانتخابات وهناك نتائج غير مباشرة لها ما زلنا نعاني آثارها ومنها غياب العمالة العربية والأجنبية من السوق الليبية، بسبب ما تعرض له العمال نتيجة غياب الأمن من قتل وخطف وسرقة لمتاعهم ونقودهم، ولم يبقَ في سوق العمالة الرخيصة سوى المهاجرين الأفارقة للقيام بما يطلب منهم من أعمال في البناء أو غيرها بأجور زهيدة، ولم ينجوا أنفسهم من الخطف وسرقة أموالهم، بل وبعضهم تعرض للبيع عبيداً في سوق نخاسة.
السؤال الذي ما زال يبحث له بيأس عن إجابة هو: هل يمكن لمن قطع فيافي وأهوال الصحراء في سبيل أن يصل إلى أوروبا ليحرر نفسه من الفاقة، وليعيش حياته ويوفر ما يمكنه لأولاده ولأهله في بلاده من أموال كي لا تقتلهم المجاعة ويخنقهم الفقر أن يقتل ويدمر ويحرق، ثم يموت منتحراً موتاً مجانياً في سبيل بلاد لا ينتمي إليها، وأناس لا يحبهم ويحتقرونه ولا قضية يعتنقها ولا مال يكتسبه ولا صيتاً يبقى من بعده؟
من يفعل عبثاً كهذا ليس من هذا العالم، ولا أعتقد أنه يوجد إلا في بيانات من نصبوا أنفسهم مسؤولين أمنيين علينا تنصلاً من مسؤولية مهنية وأخلاقية.
ورأيي الشخصي هو أن من يقفون وراء هذه العمليات الكارثية الكابوسية وهذا الرعب المستدام، هم المستفيدون من بقاء الأوضاع الراهنة في ليبيا على ما هي عليه من غياب لدولة القانون والنظام العام، لكي يستمروا في نهب المال العام هم وأتباعهم ولكي يواصلوا مسلسلاتهم التافهة عبر إطلالتهم علينا كل وقت وآخر من شاشات القنوات المرئية يتلون بياناتهم، أو لكي يلقنونا مبادئ التسامح والعيش المشترك والحرص على تبيان ضرورة وجودهم بأسلحتهم، للحفاظ على أرواحنا المنتهكة وأموالنا وأملاكنا المهددة ومؤسساتنا المنهوبة من قبلهم وأعوانهم ومجنديهم. وهذا لا يعني أنهم فعلياً من قاموا بتدبيرها وتنفيذها لكنهم - وهو الأهم - يتحملون مسؤوليتها لأنهم تقاعسوا قصداً عن ملاحقة ومتابعة العناصر - وهم معروفون لهم - التي من الممكن أن تقوم بأعمال إجرامية من دون وازع أو ضمير.
نأمل أن يحترم المسؤولون الأمنيون واجبات وظيفتهم، وألا يعلقوا إخفاقاتهم على مشجب ذوي البشرة السمراء، لأن الناس ملته ولم يعد في قلوبها متسع لتهاونهم وتقاعسهم.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا