الارشيف / مقالات / الرياض

حكاية القرد والسمكة

قال القرد للسمكة: أيتها السيدة السمكة، دعيني أساعدك وأرفعك من النهر، إلى أغصان الشجر حتى لا تغرقي.

هذه القصة تحتشد بالترميز الذي يختزل سمات التفكير المحدود، المتقولب داخل الأنماط الفكرية الجاهزة، العاجزة عن الاحتفاء بتعددية منظور الرؤية.

وهو المفهوم الذي ظلت المركزية الأوروبية في العصر الحديث، تتخذه مدخلا يشرع ويسوغ مشروعها الاستعماري للشعوب الضعيفة المتخلفة، والمختلفة عنها أيضا.

حيث تحاول أن تقدم لتلك الشعوب كبسولات الوصفات الجاهزة، لتنتشلها من أمراضها المزمنة.

هذا الحس الاستعماري والفوقية الغربية، مابرحت هي التي تدير المنطقة، لاسيما أن لها مايسوغها ويبررها في منطقة مابرحت ترفل في أمراض تخلفها الحضاري، من غياب المدنية، وتسلط فكر الخرافة، واستشراء الطغيان، والاستبداد، والتغلب، الداعمين للفساد المغيبين للنزاهة.

أيضا هذا النوع من الفكر الذرائعي، قد لايقتصر على المستعمر القديم أيام سايكس وبيكو، اللذين قسما المنطقة، ونفضا رماد سجائرهما فوق الخرائط، وغادرا.

ولكن نجد أنه سمة أو واجهة تشرع للاستعمار الحديث بجميع صوره، تمرير مشروعه وترسيخ مصالحه في المنطقة.

على سبيل المثال مسرحية محاكمة الرئيس العراقي السابق صدام حسين، التي كان الجمهور العربي يتابع فصولها الطويلة باهتمام وترقب، (وبعيدا عن عدالة أو إنصاف محكمة طاغية العراق) فالمحاكمة بذاتها كانت الولايات المتحدة تجد بها سبورة أو لوحة حائط، لتعليم شعوب المنطقة ألف باء الديمقراطية، والاحتكام إلى القانون كمرجعية دستورية أولى في الدولة المدنية الحديثة.

وهو القانون الاستعماري المطاطي، الذي يضيق ويتسع بحسب مصالح أمريكا في المنطقة.

تماما كقانون (جستا) الذي صوت لصالحه الكونغرس ومجلس النواب الأميركي معا، والذي صمم للتعامل مع الاحتياطيات والأصول الوطنية المودعة في البنوك الأميركية، لتدخل المملكة مع هذا في إجراءات قانونية استنزافية ستمتد لسنوات طويلة.

هناك مقولة سياسية مستهلكة تقول إن الرؤساء الأميركيين يتغيرون، لكن تبقى السياسة الأميركية ثابتة، وهي مقولة دوما تثبت صدقها.

فالسياسة الأميركية منذ أحداث 11 سبتمبر وغزو العراق، تغير عبرها عدد من الرؤساء ، ولكن ثوابت السياسة الأميركية اختارت ان تدخل المنطقة في دوامة من الصراعات والحروب والفتن الطائفية وفوضى تنعتها خلاقة حينا وربيعا عربيا حينا آخر، بعد أن سلمت العراق بعد خروجها منه للنظام في إيران، ودعمت التفاف الهلال الطائفي فوق الهلال الخصيب، ووضعت المنطقة وتاريخها فوق قدر يغلي بالفتن الطائفية، بذريعة أن حضرة السيد النبيل القرد، يود أن يساعد السمكة.

نحن شعوب المنطقة قد يبدو حلا مريحا ناجعا بالنسبة لنا، بأن نرجع جميع مشكلاتنا الحضارية إلى مكر القوى الكبرى وتسلطها علينا، لكن هذا لا يعفينا من تهمة العجز والتقاعس عن علاج أمراضنا المزمنة التي مازلنا نجترها في دائرة أزلية.

ليس بالضرورة عبر وصفات الكبسولات الاستعمارية الجاهزة، لكن عبر مواجهة جمعية، وإرادة قيادة يلتف حولها شعبها، لمواجهة التخلف والطغيان والفساد، والاحتماء بمظلة الدولة المدنية الحديثة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا