الارشيف / مقالات / الرياض

تغذية الموهبة

"إن المسألة في الإبداع لا تتوقف عند الرغبة وحدها، ولا على الحاسة أو الموهبة وحدها، فالمسافة بين الرغبة وتحقيقها كبيرة، والموهبة مهما عظمت لا تفيد دون معرفة، ودون فعل يضعها موضع التطبيق "

(حنا مينة)


في مسيرة صاحب الموهبة في أي فن كان، تكون الموهبة هي النواة التي تبذر ومن ثم هناك الرعاية التي تتمثل في متابعتها حتى تنمو وتترعرع لتأتي ثمارها سليمة وقت نضوجها، فهي في هذه المرحلة لابد من أن تُغَذَّى بالمعارف التي تكون المساند والدَّاعم، بل المحرض الأبدي على المتابعة لما يتماثل مع الرغبة، وما يعمل على توثيق وتمتين القواعد والأسس، فـ(تولوستوي) الروائي في سرده الشامل في روايته(أناّ كرنينا) يحكي أحداثاً عايشها، ولكنه في ذات الآن يضفي على تلك الأحداث مكتسباته من المعارف العامة التي تكون مكثِّفة لأغصان الشجرة الوارفة ذات الظلال المستولية على مساحة تستوعب أكبر عدد من المستظلين المتابعين على كافة المستويات، فهو يرى أن الناس كالأنهار، الماء فيها جميعاً واحد ولكن الأنهار تختلف، ففيها الضَّيق، والواسع، والعريض، والهادر، أو الهادئ، والبارد أو الدافئ، وكذلك البشر يحمل كل إنسان في ذاته بدايات أو أسس كل الخاصائص الإنسانية.

إذن الموهبة أساس لاشك في ذلك، ولكن الموهبة وحدها لا تكفي لصنع عمل لافت دائم، فهي تحتاج لتطوير بواسطة الملاحقة والمتابعة بتأن يفرض حسن الاختيار والفرز، ومن ثم اقتناء الزاد المفيد، فالحياة اليوم في تنوعها لاتقبل الركود، فهي تمارس حركتها الدائبة وتحتم اللحاق بها، والموهوب في أي مجال يختار ما يعتمد عليه في استمرارية الملاحقة طيلة مراحل عمره، وليس للزمن ما يمنع من أن يكون في المتابعين اختلاف عمري، فالعلم والثقافة والإبداع ليست من عمر زمني محدد للعطاء، إذ يتساوى الكل في العمل، ولكن العبرة في الكيفية ومدى الصبر والمعاناة، وحسن الاختيار المنظم الذي يكون خطة سير لما يراد انتاجه من عمل يبرهن على قدرة المثول الآني والقبول لدى المتلقي الذي يريد أن يضيف، ويبحث عمّا يُزوِّده ويفتح أمامه الآفاق التي تتوسع بين وقت ووقت في عملية حركة دائبة، فأجيال تدفع أجيالاً، هذا صحيح وسنة الحياة، ولكن العطاءات المعرفية ليس لها سِن معينة، العبرة تكمن في الجودة، وفي ما يمثل الواقع للتقنية، وما يحتاج إلى خيال مُسْتَشِفّ للمستقبل، مع معايشته الآنية المفضية إلى الآتي كحلقة في سلسلة صيرورة الحياة المديدة، والمستمدة من أفعال المواكبة، فنظرة لما كان وما هو كائن تحدد المراد في رغبات متباينات عند البشرية، وكلٌ في طريقه يحاول البرهنة على أنَّه شغل مكانه في حياته بكل جدارة، فلكل إنسان مكانه الْمحدد لإطاره الذي يجسّد صورته بوضوح.

للروائي العربي الشهير حنا مينة مقولة اكتسبها من معارفه وحسب تجربته، أو تجاربه الكثيرة حيث مارس أكثر من عمل خارج نطاق الإبداع، فهو صبي حلاق، ثم عامل على ظهر المعديات والسفن، ومزارع، وميكانيكي، ولكونه لظروف خاصة اكتفى بالشهادة الابتدائية، غير أنه عوض ما فقده في التعليم المتواصل والعالي بالقراءة التي سحرته وخلبت لبه، فسهر الليالي، وقطع اشواطا من الأوقات التي يهتبلها لكي يقرأ، ويقرأ، في مجالات عديدة، اقتصاد، سياسة، فن، وقصة ورواية، وهذه الأخيرة كانت الأقرب إلى نفسه لإحساسه بأنه يحمل شيئا في نفسه يقربه منها، والمقولة التي شططت عنها مستطرداً هي : "الإرادات تصنع المعجزات، بيد أن الصنع حاصل التجربة، ومن هنا تظل القضية إلى جانب الممارسة، لأننا نحن البشر صناع الابتكارات، وبمقدّراتنا ندفع التقدم، ونضيف إلى الحياة ما تبتغيه".

القصد أن المثابرة، وحسن اختيار ما يلائم قدرات الذات، ومع التأكيد على محاولة أن الملائم من الجودة في مكان مرموق ومقدّر تضفي وتضيف إلى الحاجات الإنسانية ما يفيد، هذا هو المراد عند من يحترم إبداعه وفنه بكل صدق.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا