الارشيف / مقالات / المرصد

الهجرة النبوية…واستخلاص الدروس!

hلهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم من مكة، التي أنكرت عليه رسالة السماء وآذته، العديد من الدلالات والمعاني التي يمكن استخلاص الكثير من الدروس والعبر منها، ولا يكتسب هذا الحدث التاريخي قيمته إلا متمحورا حول شخص الرسول، الذي وإن كان بشرا يسعى في الأسواق مثله مثل غيره من الناس، إلا أنه كان يتمتع بصفات إنسانية استثنائية، ولو أننا أمعنا النظر قليلا سنجد أن هذه الصفات في ذاتها ليست هي الاستثنائية، فهي الصفات الإنسانية ذاتها التي يحمل بعض من الناس هذه أو تلك منها، إلا أن الرسول أخذ بها جميعا، ثم إنه جسدها فكرا وسلوكا في حدودها القصوى، فذهب إلى أقصى غاياته، وكذلك فعل الشيء نفسه مع بقية حميد الصفات، وقد صدق المعصوم صلى الله عليه وسلم حين قال: «أدبني ربي فأحسن تأديبي».

وبعض الناس يجعلون من التربية الإلهية للرسول حجة يبررون بها تقاعسهم عن الارتفاع إلى ذرى أخلاق المصطفى، قائلين بأن تلك الذرى إنما هي خاصة بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكأنهم لم يمروا على الآية التي تقول «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله»، وكيف يكون اتباعنا للمعصوم إن لم يكن بمحاكاته في كل شيء، وليس في عبادته وحدها؟!.

نحن مدعوون لأن نهاجر بصحبة صلى الله عليه وسلم، وذلك بأن نهجر قرية أخلاقياتنا السلبية التي درجنا عليها من أنانية وتقاعس وبخل وضيق أفق إلى مدينة أخلاقه الرحبة التي تفيض بالحب والكرم والإيثار والخير والتسامح، وبكل القيم العلية الرفيعة التي حمل لواءها وبشر بها وجسدها عليه الصلاة السلام في حياته فكرا وسلوكا، ولنجعله رائدنا في هجرتنا من نفوسنا الشحيحة إلى الله خالقنا الذي إليه معادنا، نستصحب معنا حلو صفاته وشمائله الزكية.

وحين تمعن النظر اليوم في كافة أحوالنا تجد أننا بالفعل في أمس الحاجة إلى الهجرة مع المصطفى صلى الله عليه وسلم، حيث انتشر الفساد وأصيب جهازنا الأخلاقي بالترهل وعم الكذب والإخلال بالوعود وصار الناس يتعاملون باستهانة فيما يسند إليهم من مسؤوليات وصرنا أكثر إصرارا على القشور والمظاهر وهجرنا اللباب والجوهر، وبالمختصر المفيد صرنا أكثر انكبابا وتهافتا على الحياة الدنيا وأهملنا أمر آخرتنا تماما، وقد آن لنا أن نأخذ طريق هجرتنا مع رائدنا، المبعوث فينا بالحق ومن حقت له الشفاعة في الدار الآخرة سيد خلق الله صلى الله عليه وسلم، يوم لا ينفع مال أو بنون، إلا من أتى الرحمن بقلب سليم.
بهذا المفهوم تكون هجرتنا مع المصطفى صلى الله عليه وسلم من «مكة معاصينا» إلى «مدينة فضائل رسولنا الكريم» عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم، ولعمري هي مناسبة نقف فيها مع أنفسنا وقفة ناقدة جادة نطهر بها أنفسنا مما علق بها من آثام.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا