الارشيف / مقالات / الشرق الاوسط

مؤسسون ومؤسسات وسياسات

الأحد - 1 محرم 1438 هـ - 02 أكتوبر 2016 مـ رقم العدد [13823]

احتدم الحوار ولم ينقطع حول دور السياسات والمؤسسات، أي منها أهم لتحقيق تقدم الأمم، هل هي المؤسسات ونظمها، أم السياسات والقائمون عليها؟ فهناك من يربط تقدم الأمم أو فشلها بمدى كفاءة المؤسسات وخضوعها لقواعد الحوكمة وما تفرضه من نظم للإثابة والجزاء لضبط العمل وتطويره. وترى شرحا لذلك في كتاب شهير عن أسباب سقوط الأمم، وضعه دارون أشيموغلو مع جيمس روبنسون، وهما أستاذان بجامعة هارفارد. ويرى فريق آخر أن أثر السياسات أهم وأن دور القيادة المؤمنة بقواعد الانضباط وبناء الثقة ووضوح التوجه له الأولوية. وقد أفاض كتاب كثيرون في تبرير أولوية السياسات على المؤسسات في تحقيق التقدم، منهم بيتر بلير هنري، عميد مدرسة الإدارة بجامعة نيويورك، في كتابه عن دروس العالم الثالث للنمو في العالم الأول. أما فهم الرجل العادي، على النحو الذي درج على وصفه الدكتور أحمد الغندور العميد الأسبق لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، فيقرب الأمور من الواقع المعيش، فيرى أن السياسات والمؤسسات معًا من الضرورات اللازمة لتسيير شؤون أي دولة وتقدمها. لكن الاقتصاديين دأبوا على الانقسام إلى مدارس ومجموعات فكرية تختلف حول ما قد يراه سائر الناس مما لا محل له من انقسام أو اختلاف.
استعرض مقتطفات من هذا النقاش القديم المتجدد، في متابعة لما تمثله حالة البنك الإسلامي للتنمية كنموذج لتكامل دور السياسات مع المؤسسات لتنجز مشروعًا تطور عبر أربعة عقود ونيف، ليصبح من أهم جهات تمويل التنمية في العالم. فالبنك كان فكرة لقائد سياسي عتيد، وهو الملك فيصل رحمه الله، الذي رأى في السبعينات من القرن الماضي أن في إنشاء بنك لتنمية دول العالم الإسلامي، ضرورة إنسانية واقتصادية واجتماعية.
تحولت هذه الفكرة إلى لبنة لمشروع كانت التحديات التي تواجهه أكبر من مقومات بقائه، ناهيك عن نمو نشاطه. وهنا يبرز دور قيادة استثنائية حسن اختيارها لتدير فريق عمل دولي ضخما، بتواضع والتزام وإخلاص وتفان، وهي الصفات الأربع التي زينت كلماتها خلفية احتفال أقامه البنك بمقره الرئيسي بجدة لتقدير أعمال الدكتور أحمد محمد علي رئيس البنك المغادر. وهو صاحب مسيرة عطاء ثرية تأهل لها بعد خبرة عملية أعقبت دراسته لعلوم التجارة والقانون بجامعة القاهرة، ثم محصلاً من العلم ما أهله لدرجتي الماجستير والدكتوراه من الجامعات الأميركية. ويتمتع بخصائص جعلته يتقدم حين يتأخر الآخرون عند الولوج في المخاطر، ويتأخر حين تأتي مناسبات التكريم. ترى همته الوثابة في زيارات ميدانية مرهقة، كتلك التي شارك فيها منذ أشهر مع الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس البنك الدولي لتفقد أحوال اللاجئين في لبنان والأردن، فوجدناه لا تدانيه في عزيمته ثلة من أصحاب الشباب اليانع.
وكان مبهجًا أن ترى الرئيس المغادر يحتفي بالرئيس الجديد المنتخب بإجماع مجلس محافظي البنك، وهو الدكتور بندر حجار الأكاديمي السعودي المرموق، ورجل العمل العام كوزير سابق للحج وعضو بمجلس الشورى. ومما ييسر من عمل الرئيس الجديد للبنك أنه يتولى مؤسسة ثابتة الجذور ممتدة بفروع باسقة يسهم فيها أكثر من 55 دولة. وقد زاد رأسمالها المصرح به 50 مثلاً منذ التأسيس ليصل اليوم إلى نحو 150 مليار دولار متواكبًا مع تطور النشاط حجمًا. وحصل البنك من مؤسسات التصنيف الدولية على مستوى AAA، وهو أعلى تصنيف ائتماني، وحافظ عليه منذ عام 2007 وذلك دلالة على انضباط إدارته المالية وجدارته الائتمانية. كما تطور البنك ليصير مجموعة مالية ضخمة تتضمن مؤسسات لتمويل القطاع الخاص، وضمان الاستثمار والتصدير، وتمويل التجارة فضلاً عن معهد للبحوث والتدريب، وعدة صناديق متخصصة منها ما يكافح الفقر في أشد الدول عوزًا وأعلاها مخاطرة. وحدد البنك أولويات عمله في المستقبل في إطار رؤية حديثة شاملة استعان في تصميم وثيقتها بخبرات أبنائه المتميزة وبعقول استشارها لتسهم فيها بآرائها.
لم يجعل البنك ثباته على مبادئ تأسيسه مانعًا من انفتاحه، فتعاون مع المؤسسات المالية الدولية والأمم المتحدة في جهود أعلن عنها في أبريل (نيسان) من عام 2013 لتطوير قواعد بيانات التنمية، كما شارك في إطار 2030 لتمويل التنمية المستدامة. كما شارك البنك الدولي والأمم المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) 2015 لاستحداث آلية للتمويل الميسر تضمنت أساليب مبتكرة لاستخدام المنح والضمانات لزيادة حجم وفاعلية هذا التمويل لدول الشرق الأوسط. وانضمت مؤخرًا لهذه الآلية عدة دول ومؤسسات تنموية دولية تدعيمًا لها لمواجهة الأزمات الإنسانية المرتبطة باللاجئين.
أحسب أن البنك الإسلامي للتنمية يدرك تمام الإدراك، وهو يتقدم بقيادته الجديدة نحو العقد الخامس لمساهمته في تمويل التنمية، أنه في عالم جديد تشكله تحولات سياسية واقتصادية كبرى، ويشهد وثبات تكنولوجية مبدلة لأنماط الحياة ونظم الإنتاج، وتغيرًا في مراكز الثقل الدولي واختلالات ديموغرافية ومعيشية هائلة. كما تعاني بعض دوله الأعضاء من مثالب تدني مؤشرات التنمية. وأصاب بعضًا منها شرور الصراعات التي مزقت أهلها فرقًا وهجرتهم. وباستحضار كلمات معبرة لرئيس البنك المغادر، أرى آمالاً كبرى تنعقد ثقة فيما يمكن لهذه المؤسسة الرصينة أن تسهم به مع شركائها في التنمية بالمعرفة والعلم والمال، إسعافا لأحوال الناس أو إسعادًا لهم.
* النائب الأول لرئيس البنك الدولي

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا