الارشيف / مقالات / الشرق الاوسط

امرأة بماء الورد

الأحد - 1 محرم 1438 هـ - 02 أكتوبر 2016 مـ رقم العدد [13823]

هناك طائفة من الكتب توصف بأنها قراءات الصيف. قصص خفيفة تصلح لأيام العطلة أو مغامرات عاطفية تنتهي نهايات سعيدة. كتب تحتسيها مع الليمون بالنعناع. تعدل المزاج ولا تثقل على القلب. والفرنسي يصف هذا النوع من الروايات بأنها مكتوبة بماء الورد. ثم زايَدَ المصري على الفرنسي وغنى كارم محمود: «على ورق الورد أكتب له». فهل هناك، إلى جانب روايات الصيف، كتب للخريف مكتوبة بزخات الرذاذ؟ علاقات عاطفية مستحيلة وافتراقات غارقة في الدموع؟ لعل الكتاب الذي بين يدي هو من هذا النوع الثاني. رواية أخيرة للكاتب والناقد الجامح فريدريك بغبيديه، عنوانها «أونا وسالينجر». تصلح للجو المكفهر وللعبرات، على قول المنفلوطي.
أونا، التي يعني اسمها باللاتينية «الوحيدة»، هي ابنة المسرحي يوجين أونيل، الحائز «نوبل» في الأدب. وقد احتفل أبناؤها الثمانية وأحفادها الكثر، قبل أيام، بمرور 25 عاما على رحيلها. أما الكاتب الأميركي جي دي سالينجر فهو مؤلف «الحارس في حقل الشوفان»، وروايات وقصص كثيرة جعلته من أبرز كتاب منتصف القرن الماضي. ما الذي حدث بينه وبين الجميلة أونا أونيل؟ علاقة حب وتفاهم أم صراع ذاتين متمردتين؟ رآها في نيويورك، 1940، وكانت مراهقة فاتنة تحب مخالطة الكتاب والرسامين ومن هم أكبر منها سنًا، وتحلم بأن تصبح ممثلة. أما هو فلم يكن قد نشر شيئًا ذا بال. بل إن أحد مدرسيه وصفه، فيما بعد، بأنه أسوأ طالب في التاريخ في مادة اللغة الإنجليزية.
انتهى الحب الخاطف بأن مضت أونا إلى هوليوود حيث كان قدرها ينتظرها. وهي لم تشتهر هناك كممثلة بل لأن ممثلاً كبيرًا وقع في غرامها وتزوجها على الفور لتصبح مسز تشابلن. العبقري الساخر الذي يمشي كالبطريق، بسروال عريض وعصا دوارة وقبعة سوداء. أما سالينجر الذي عانى كثيرًا من الغيرة وهو يرى حبيبته زوجة لتشارلي تشابلن، فقد ذهب للقتال في ثاني الحروب العالمية، وكان من أوائل الجنود الذين دخلوا المعسكرات النازية وشاهدوا ما فيها من أهوال. إنها التجربة الذي زادت من سوداويته فصار كاتبًا من طراز خاص.
قاطع يوجين أونيل زواج ابنته من تشابلن. العروس في الثامنة عشرة والعريس في الرابعة والخمسين وقد تزوج قبلها ثلاث مرات. وفيما بعد، كتب الممثل الكبير في مذكراته أن قلبه نغزه حين التقى بها في حفل عشاء، وعرف أنها في السابعة عشرة من العمر. أما هي فقد لاحظت أن قدميه صغيرتان ويديه أشبه بأيدي النساء. وقالت في إحدى المقابلات إنها عشقت تجاعيده ونظرته الزرقاء مثل عاشق خائب. تزوجا وذهبا لقضاء شهر عسل تضاعف إلى شهرين. وخلال ذلك كانت الجمعيات النسائية تهاجم الممثل المزواج الذي، في نزوة من نزواته، أوقع بمراهقة. إنها الفقاعة العابرة التي سرعان ما تنطفئ. لم يتوقع أحد أن الحب سيدوم حتى آخر العمر، وأن الزوجة الصغيرة ستتخلى عن أحلامها الفنية وتتحول إلى ربة منزل تطبخ لضيوف زوجها وتنجب له ثمانية أولاد وبنات.
عندما طردت هوليوود تشارلي تشابلن، أيام المكارثية، لحقت أونا بزوجها إلى منفاه في سويسرا. كان بريطاني المولد ولم يجددوا له إقامته في الولايات المتحدة. اتهموه بأنه يساري. وخسرت أميركا شخصية سينمائية فذة تغنت بالإنسان وسخرت من الديكتاتورية ومن جشع الصناعيين أثرياء الحرب. ولما مات تشارلي ليلة عيد الميلاد من عام 1977 حزنت عليه أونا حزنًا لا هوادة فيه. وظلت تائهة من دونه، كأنها فقدت نفسها.
سألها صحافي، بعد زواجها، عن رأيها في الحرب المشتعلة في أوروبا. وأجابت بأن من المعيب أن تدلي برأيها في حرب طاحنة وهي تجلس مستريحة في النادي بينما يموت آلاف الجنود كل يوم هناك.
هل كانت تفكر في المجند سالينجر، حبيب الأمس؟ عاد من جبهات القتال بطلاً، وصار كاتبًا معروفًا. لكنه، رغم الشهرة العالمية التي نالها، عاش في عزلة لا يختلط بالناس ويرفض الظهور في الأماكن العامة، ولا يدلي بأي حديث للصحافة. نظام لم يتراجع عنه حتى رحيله.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا