الارشيف / مقالات / اليوم السعودية

دعم المبادرات الإبداعية

من أهم ملامح الإبداع أن يكون صادما للقيم الهزيلة القارة في المجتمع، وأن يزلزل قناعات الناس الهشة والمتوارثة دون الإساءة للمبادئ السامية، والثوابت الراسخة في ضمير الأمة، فليس إبداعا ما يتعارض مع الدين، أو يسيء إلى رموزه المقدسة، ومهما كانت المجتمعات متحررة، فإن لديها خطوطها الحمراء التي ليس من حق أحد أن يتجاوزها، أو يجترئ عليها بالتجديف والهرطقة والإساءات المبطنة أو الصريحة، فالقواعد الأخلاقية تظل قادرة على قمع جموح النفس البشرية إلى الانحرافات التي لا علاقة لها بالإبداع من قريب أو بعيد، ولعل سر بقاء المجتمعات وتطورها هو التزاماتها الأخلاقية التي تحول دونها والانهيار والاضمحلال، مصداقا لقوله تعالى: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا، وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا).

لكن المبادرات الإبداعية الخلاقة القادرة على تفجير الوعي في ضمير الأمة، وحثها على مسايرة العصر، والإسهام في تطويره، المبادرات الإبداعية القادرة على بعث المجتمعات من رقدة العدم إلى آفاق الحياة ومعانقة التفوق، والاقتران به ليكون صفة مميزة لمجتمع ناهض.. المبادرات الإبداعية التي تستنهض همم شباب الأمة وتبعث فيهم الأمل في الغد المشرق، والرغبة في الإسهام الفعال في تطور المجتمع وازدهاره وخروجه من ربقة التبعية، بالانتماء الواعي لكل ما هو رائع وجميل في الحياة، هذا الإبداع هو الذي تحتضنه الأمم المتقدمة، في جميع مجالات النشاط البشري البناء، دون حساسية أو توجس الخيفة منه، أو الشك في نوايا أصحابه، وهذا الإبداع هو ما يتعرض في بعض المجتمعات إلى الإهمال وهو إهمال يشير إلى تخلف المجتمع، وخمول أفراده، فإذا ظهر المبدع فيهم أنكروا إبداعه، ولم يمدوا له يد المساعدة، ولم يوفروا له الأجواء المساعدة على نمو إبداعه وتطويره، لتتعدد مجالاته وتتنوع اتجاهاته، بينما تنحصر اهتمامات أفراد هذه المجتمعات في توافه الأمور، لتنمو القيم الهزيلة فيها، ويتسطح التفكير بين أفرادها، لتنفق مواردها المالية فيما هو أقرب إلى السفه والإسهام في كثرة المفاسد، فما من مال ينفق هدرا وإلا ووراءه مظلمة، ما من ثراء يزيد عند الأغنياء بالطرق غير المشروعة، إلا وتقابله فاقة عند الفقراء تزيد من تعاستهم وتدفعهم إلى الانغماس في الجريمة والممارسات الخاطئة التي تعاني ويلاتها المجتمعات الطاردة للمبادرات الإبداعية البناءة، بينما تظل المجتمعات الحاضنة لهذه المبادرات هي القادرة على تجاوز محنها وإشكالات الحياة بين أفرادها.

واحتضان الإبداع، ومساعدة المبدعين على إبراز إبداعاتهم وتطويرها، هي مهمة القادرين على الدعمين المادي والمعنوي، ودعم للمجتمع الذي يسر لهم ما لم يحلموا به من الثراء، ومن العبث استغلال هذا الثراء في التفاخر والتظاهر والبروز والتسويق للذات، واللجوء إلى الإسراف بكل معانيه ومظاهره، تجاهل الإسهام في أي نشاط يخدم المجتمع والوطن، ومثل هؤلاء المسرفين لدرجة ملفتة للنظر، والذين يتجاهلون الواجب تجاه المجتمع وأفراده، يستحقون الردع بقوة القانون، فالمال ليس معول هدم لقيم المجتمع الأصيلة، بل هو أداة بناء لهذه القيم التي تساعد على تطور المجتمع وازدهاره، وإشاعة روح التعاون بين أفراده، ولأن الإسراف نوع من الفساد فهو يستحق قانونا يكافح المسرفين كما تكافح الممارسات الضارة بالمجتمع، والمال أمانة لا يؤتمن عليها إلا من هو جدير بحفظها وصيانتها من العبث، وما أكثر الذين يصرفون الكثير على تلميع شخصياتهم، أو على ملذاتهم والعياذ بالله، لكنهم يبخلون بالقليل على مبادرة إبداعية تخدم المجتمع.

إن تشجيع المبادرات الإبداعية واجب وطني وأخلاقي وديني وإنساني، وعلى رجال الأعمال ترسيخ الوعي في ضمائرهم بوجوب الإسهام في دعم هذه المبادرات، ومساعدة أصحابها لتستطيع الإسهام في خدمة المجتمع والوطن والأمة، ولا شك أن مد جسور التعاون بين رجال الأعمال وأصحاب المبادرات الإبداعية، هو دليل على وعي المجتمع، وإصرار أفراده على النهوض به وتطويره، إلى جانب أنه مؤشر حضاري على الالتزام الوطني بكل ما من شأنه رفعة الوطن وازدهاره، بإذن الله.

مواضيع ذات علاقة

  • خليل الفزيع
  • مثقفون: المجتمع معوق للإبداع ولا يسهم في بروز المبدعين
  • د. عبد الوهاب بن سعيد القحطاني
  • احمد دحمان
  • أحجار البناء

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا