الارشيف / مقالات / اليوم السعودية

مترو واشنطن يُحدثنا عن مترو الرياض

عقدت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض فعالية في مقر هيئة الأمم المتحدة في نيويورك بمسمى «يوم الرياض»، لإبراز دور الرياض في جوانب التنمية المختلفة، وقد استمرت أربعة أيام (26-30 سبتمبر 2016م)، في وقتٍ يتزامن مع موعد انعقاد الجمعية العامة بالأمم المتحدة.

كالكثيرين، أفضل استئجار سيارة لأقودها بنفسي في الولايات المتحدة، فذلك هو الخيار الأنسب اقتصاديا، خصوصا عندما لا تكون في إحدى المدن الكبيرة هناك؛ ففي تلك المدن المحذور الكبير هو التكلفة الخرافية لإيقاف السيارة في موقف نظامي، فأنت بين خطرين: دفع مبلغ وقدره نظير كل ساعة، وخطر المراقبة اللصيقة لشرطة المرور التي تراقب كل حركة وسكنة للسيارات العابرة والواقفة.

في زيارتي لنيويورك لم استأجر سيارة تطبيقا للقاعدة أعلاه، ثم ان مدينة نيويورك تمتلك نظام مترو شاملا ومتكاملا مع وسائط نقل أخرى، وإن كان من قصر «قطار الانفاق» فسيسدد النقص القطار السطحي ونظام الباصات التي تحوم في كل اتجاه. وبالقطع فإن نظام «مترو» نيويورك لا يقارن بنظام واشنطن وحاضرتها.قبل سنوات نقلت لكم حديثا دار بيني وبين شابٌ مواطن في مترو واشنطن كان يرافقني، حيث سألني آنئذ: كم تكلفة مترو الرياض؟ ومتى سينجز؟ وهل سيكون مثل هذا؟

تكلفة مترو الرياض -كما نشر- 84 مليار ريال، وطوله 170 كم، ويتوقف في 87 محطة، ويتوقع أن يبدأ في نقل الركاب منتصف 2018 بإذن الله. أما مترو واشنطن فقد انطلق قبل نحو 40 عاما، أي في منتصف السبعينيات، باستخدام جزء مما يعرف الآن بالخط الأحمر. ومنذ ذلك التاريخ والمترو يتوسع بالتدريج، بما في ذلك الربط مع المراكز الحضرية الملاصقة للولايات المتاخمة مثل مريلاند وفرجينيا. والتوسع الراهن هو ربط المترو بمطار دالاس الدولي، والذي ينجز على مرحلتين تنتهي الثانية في العام 2018.أخبرني الشاب: قبل أن ابتعث لم أكن أتصور كيف تكون الحياة بدون سيارتي الخاصة، بل كان من أول مشاريعي بعد أن أطمئن لسير الدراسة أن اشتري سيارة خاصة، فقد كنت أظن أن ركوب القطارات والمترو والباصات ليس لنا؛ حيث إننا لم نعتد عليها، وإنها خدمات يداوم عليها من يرغب في التوفير أو لا يمتلك مالا كافيا لشراء سيارة خاصة. وتابع قائلا: عندما كنت في الوطن، كانت سيارتي أثمن ما أملك، فهي تعني لي حرية التنقل والقدرة على الانطلاق حيث أريد ومتى أريد، ولم أكن على استعداد مطلقا لتحمل الشعور القاتل بأنني غير قادر على الحركة، بل لم أكن أتخيل كيف بوسعي ممارسة أي نشاط بدون سيارة خاصة رهن اشارتي تنتظرني عند الباب. استطرد الشاب: لكني ما ان أتيت إلى الولايات المتحدة، حتى كانت المفاجأة؛ في البداية اضطررت أن استخدم وسائل النقل العام، من الباص إلى المترو؛ فسكني بعيد عن الجامعة، وكنت طوال الوقت أعدّ نفسي بأن هذا الوضع مؤقت وبعدها سأقتني سيارة أنيقة. مع مرور الشهور بدأت أشعر أنني أكثر تعلقا باستخدام النقل العام، وأخذت فكرة امتلاك سيارة تأفل وتتبخر؛ وفطنت لمزايا عدة لم تخطر على بالي من قبل؛ فتكلفة امتلاك سيارة هنا عالية جدا مقارنة بالمملكة، من حيث تكلفة الوقود والمواقف والضرائب.

اليوم الثالث لفعالية «يوم في الرياض» كان موضوعه النقل. شارك فيه خبراء للحديث عن النقل في عاصمتنا الغالية، فتناولوا تفاصيل تتصل بالتخطيط والتصميم والتنفيذ. ذكرني ذلك بتساؤلات الشاب: هل يجب أن يعيش أحدنا في الخارج حتى يقتنع بمزايا النقل العام؟ وبالتكلفة الاستثمارية العالية لإنشائه وبعد ذلك لتشغيله؟ ليس من شك أن مترو الرياض سيمثل نقلة نوعية، ليس فقط في مفهوم سكان الرياض للتحرك بين جنباتها، فمن المؤمل أن يحدث طفرة اجتماعية حقيقية، فمن منا يجرؤ حاليا على أخذ رحلة من أقصى مدينة الرياض لأقصاها دون أن يخاطر بانقضاء جزء مهم من يومه في السيارة في إهدار فادح للإنتاجية وللبنزين، نظرا لطول المسافات من جهة وانتشار الازدحام والاختناق المروري فيها؟ كما أن المترو سيساهم اجتماعيا في تسهيل التواصل بين الناس. أما اقتصاديا فسيعني كفاءة أعلى لأسباب لا يتسع المجال لتعدادها، منها: تحسين قدرة الموظفين على الانتقال لمسافات بعيدة ليس بوسعهم قطعها في يومنا الراهن، وسيعين المرأة العاملة كثيرا، فالقدرة على التنقل تمنحها المرونة للمواءمة بين الاهتمام بأسرتها ومتطلبات العمل حتى وإن تباعدت المسافات وضاق الوقت؛ كما أن تلك المرونة تنساق لتوسيع خيارات السكن كذلك. وفوق ذلك، فبيانات الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض تفيد أن مشروع المترو يولد 23000 وظيفة معظمها يذهب لسعوديين، وله عوائد اقتصادية توازي 3.4 ريال مقابل كل ريال ينفق.

الآن، مترو الرياض يصبح حقيقة مع بزوغ شمس كل يوم جديد، ففي نيويورك، كان الحديث يرتكز على واقع النقل في مدينة الرياض، والذي يتغير من واقع مشاريع تُنَفَذ، فورشة عمل النقل التي عقدت في نيويورك رأسها المهندس خالد الحقيل الرئيس التنفيذي للشركة السعودية للنقل الجماعي، وكان المتحدث الرئيس فيها المهندس حسن الموسى مساعد مدير إدارة تخطيط النقل بالهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض. وشارك فيها مستشار الهيئة وأستاذ تخطيط النقل في جامعة بيركلي الدكتور أديب كنفاني، ومستشار الهيئة وأستاذ التخطيط الحضري والنقل في جامعة بيركلي الدكتور روبيرت سيرفيرو، والرئيس التنفيذي للعمليات في مترو واشنطن الدكتور جاكا ريغا. وقد أعطانا د.ريغا خلاصة تجربة مترو واشنطن التي تجاوزت جيلا، ان مزايا المترو على المدن تتجاوز مجرد نقل شخص من نقطة لأخرى، وفي معظم الأحيان لا يُغطي المترو مصاريفه مباشرة، لكنه يجلب مكاسب مضاعفة، فمبيعاته ليست مجرد «تذاكر»، وليست مجرد تأجير مساحات للإعلان ومحلات لمبيعات التجزئة، بل ينقل اقتصاد المدينة ككل لأفق أرحب.

مواضيع ذات علاقة

  • مترو واشنطن.. ومترو الرياض
  • «مترو الرياض» المشروع الأضخم على مستوى الخليج
  • مترو الرياض ..
  • «الـمترو».. هل يناسب ثقافتنا؟
  • ارتفاع أسعار البنزين دفع الأميركيين للعودة لوسائل النقل العام

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا