الارشيف / مقالات / المرصد

نظرة تحليله قانونية وسياسية لقانون جاستا

ما هية وطبيعة قانون ( جاستا ) :
جاستا اختصار لما ورد باللغة الانجليزية تحت (Justice Against Sponsors of Terrorism Act ) ويترجم تحت مسمى (العدالة ضد رعاة ألإرهاب ) , حيث قام الكونجرس الأمريكي بمجلسيه الشيوخ والنواب بإسقاط فيتو الرئيس الأمريكي باراك أوباما، والذي استخدمه أوباما على قانون جاستا أو العدالة ضد رعاة الإرهاب وقام الكونجرس بالموافقة بالأغلبية المطلقة ، وبالتالي ا صبح قانون جاستا ساريا , وبتحليل ذلك القانون نجد انه لم يذكر دولة بعينها ولكنه قد يصنف بعض الدول الحليفة للولايات المتحدة الامريكية والرائدة في مكافحة الارهاب الدولي كدول راعية للإرهاب , مثلها مثل الدول التي يصنفها القانون الامريكي كدول راعية للإرهاب قبل صدور هذا القانون حسب جريدة نيويورك تايمز، وهي الدول التي لا تتمتع بمبدأ الحصانة ، مثل إيران وسوريا ، والسودان , ومما شمله القانون المبتذل وهو السماح لعائلات قتلى هجمات الحادي عشر من سبتمبر بمقاضاة دول ينتمي إليها المهاجمون مما يشير الى كيان كبير كالمملكة العربية السعودية بالرغم من عدم وجود أدلة تدين السعودية أو تثبت تورط حكومتها بموجب احكام صادرة من المحاكم الامريكية.

وبالتتبع لصياغة القانون وبعده الاجرائي نجد الضعف الكبير وعدم مراعاته للقانون والعرف الدولي حيث يعد سابقة خطيرة في القانون الدولي ، فهو يسمح للمحاكم الأميركية بالنظر في قضايا تتعلق بـ “مطالبات ضد أي دولة أجنبية” ترتبط بعمل “إرهابي , ويسمح القانون للمحاكم الأميركية بالنظر في قضايا تتعلق بـ “مطالبات ضد أي دولة أجنبية فيما يخص الإصابات، أو القتل، أو الأضرار التي تحدث داخل الولايات المتحدة نتيجة لعمل إرهابي يرتكب في أي مكان من قبل دولة أو مسؤول أجنبي”. ويمكن من رفع دعاوى مدنية ضد أي دولة أجنبية أو مسؤول أجنبي في قضايا الإصابات أو القتل أو الأضرار الناجمة عن أي فعل من أفعال الإرهاب الدولي.

كما يخول القانون للمحاكم الفيدرالية بـ “ممارسة الولاية القضائية الشخصية وفرض محاسبة لأي شخص يرتكب مثل هذه الأفعال أو يقدم المساعدة أو يحرض أو يشرع في ارتكاب أي عمل من أعمال الإرهاب الدولي ضد أي مواطن أميركي”. وجاء في فقرة محاسبة الدول الأجنبية ما يلي “لا يجوز لدولة أجنبية أن تكون في مأمن من اختصاص المحاكم الأميركية في أي قضية من القضايا التي تطالب بتعويضات مالية ضد دولة أجنبية جراء إصابات جسدية لشخص أو ممتلكات أو حوادث قتل تحدث في الولايات المتحدة”، وتكون نتيجة عمل من أعمال الإرهاب الدولي في الولايات المتحدة ) , مما سلف يتضح ان هذا القانون كأنما بإقراره اعتبرت الولايات المتحدة الامريكية دول العالم جميعا كإحدى ولايتها وذلك يعد مخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وتحديدا مبدأ المساواة في السيادة بين الدول , وهو انتهاك اجرائي خطير , كما انه يلغي مبدأ الحصانة السيادية التي تحمي الدول ككيانات من القضايا المدنية أو الجنائية , فهو بذلك يعد سابقة في تاريخ العلاقات الدولية ، وخرقا للمعاهدات الدولية التي لا تجيز لأي محاكم أجنبية بمقاضاة دولة أخرى , ومما يؤيد عدم قانونية التشريع تناقضه مع اتفاقية أميركا مع الأمم المتحدة لحصانات الدول وممتلكاتها من الولاية القضائية لسنة 2004م . ومن ثغراته القانونية انه يتجاوز كل معايير حقوق الإنسان الدولية التي حرّمت أن يمتد العقاب على الجريمة لغير فاعلها، كما ان سماح القانون بتحميل “الدولة ككيان” مسؤولية جنائية تحت ذريعة جريمة اقترفها أفراد يُعتبر أمراً منافيا لكل الشرائع والقوانين المحلية والدولية . نضيف الى ذلك انه يجب الدفع قانونا أمام المحاكم الأميركية بعدم الاختصاص القضائي بناءا على تعارض هذا التشريع مع القانون الدولي واتفاقية فيينا التي وقعتها الولايات المتحدة فيما يخص الحصانة السيادية للدول.
ونتيجة لذلك فدول العالم اجمع – ان لم تسعى لإلغاء هذا القانون المسخ – الذي صدروفقا لإرادة امريكية متعجلة وغير حكيمة عليها اعادة النظر في قوانين الامم المتحدة او قفلها والعودة لسياسة النظام الاجرائي التنقيبي قبل صدور الامم المتحدة وقوانينها التي تسعى ولو شكليا لتحقيق الامن والسلم الدوليين , وبالتالي هدم كافة المعاهدات والمواثيق الدولية وبالتالي يحق لكل دولة اصدار قانون مماثل لن يكون في صالح امريكا نفسها وما اكثر ضحاياها حول العالم . وفي هذا السياق قال الرئيس الامريكي أوباما في تصريحاته إذا ألغينا فكرة الحصانة السيادية فإن رجالنا ونساءنا من العسكريين حول العالم قد يرون أنفسهم عرضة لخسائر كبيرة ، مضيفا قانون جاستا قرار خاطئ.

كما أعلن البيت الأبيض بحكمة تذكرنا بما اوجده الاوائل من مؤسسي الكيان الامريكي ممن الغوا الرق وسيطرة الرجل الابيض ( أن تجاوز مجلس الشيوخ الأميركي لحقّ النقض “الفيتو” الذي استخدمه الرئيس ضد مشروع قانون “جاستا” يُعتبر الأكثر إحراجاً للولايات المتحدة منذ تأسيسها، وجاء هذا الإعلان بعد تصويت مجلس الشيوخ بأغلبية ساحقة ، ضد حق “الفيتو” للرئيس باراك أوباما، كما صوّت لاحقاً مجلس النواب برفض الفيتو أيضاً بنسبة 338 نائباً رفضوه، مقابل 74 وافقوا على الفيتو.
من جانبه حذّر وزير الدفاع آشتون كارتر من أن نقض القانون سيكون مضراً للقوات الأميركية، وسيفسح المجال لدول أخرى لمقاضاة أميركيين؛ بسبب أعمال خارجية تلقّت الدعم من واشنطن. ويعني ذلك انه يحق لجميع الدول اصدار قانون مماثل عملا بقانون المعاملة بالمثل وهو ما اشار له بعمق مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون برينان حيث حذر من أن التشريع الجديد ستكون له تداعيات جسيمة على الأمن القومي للولايات المتحدة، وقال برينان في بيان إن مبدأ “الحصانة السيادية” للدول التي تحمي المسئولين الأميركيين يوميا قائم على أساس المعاملة بالمثل.

تاريخ مشروع القانون الامريكي المبتدع :
يتضح للمتابعين والمهتمين بالشأن القضائي وحقوق الانسان والعدالة الانسانية ان مناقشة مثل هذا القانون وسريان مساراته في الصياغة والإجراءات بدأت منذ عام 2009 م أى بداية عهد الرئيس اوباما وهو ما ذكره السيناتور( جون كرونيون ) في رده على محاولات البيت الأبيض التمثيلية لإسقاط القانون المبتدع , وقد برز ذلك النشاط القانوني غير المبرر رغم أن لجنة أمريكية قامت بالعديد من التحقيقات في عام 2004م أثبتت عدم صلة المملكة العربية السعودية بالهجمات إلا أن اللجنة الأخرى التي شكلها الكونغرس وفقا لإجراءات ظنية غير قانونية أشارت إلى احتمال تلقي منفذي هجمات 11 سبتمبر دعما من أحد المسئولين السعوديين مما أتاح للكونغرس أن يمرر قانون مقاضاة السعودية على الرغم من اعتراض البيت الأبيض , كما ان القانون الجديد يعدل قانون صدر في عام 1967 م يعطي الحصانة للبلدان الأخرى من الملاحقة القضائية في الولايات المتحدة الأميركية وفقا لقواعد القانون الدولي , والأمر المريب في هذا القانون انه لم يرفض لأوباما أي فيتو سابقا، وقد استخدم حقه في ممارسة الفيتو 12 مرة خلال ولايته الفاشلة في السياسة الخارجية وفقا لإجماع المختصين والمحللين من داخل وخارج امريكا , وكذلك سرعة تمريره قبل نهاية ولايته .

وتجدر الاشارة أن مرور كل هذه المدة لمناقشة مثل هكذا قرار دون عمل قانوني ودبلوماسي موازي من قبلنا تؤكد لنا فشل حملات العلاقات العامة التي تقوم بها شركات قانونية ومكاتب متخصصة ليس لها من هدف إلا الكسب المالي وهي في العادة لا تحقق النجاحات والأهداف المطلوبة ما لم يقم يها ويشرف عليها ابناء البلد من اهل الخبرة والقدرة في فهم الفكر الغربي وذلك بأن توجد لوبي أو جماعة ضغط في الكونغرس الأمريكي أو عند مراكز صنع القرار في واشنطن وغيرها من الدول الغربية الكبري كبريطانيا العطمي وفرنسا مع قياس الرأى في تلك الدول علميا , مع ان تعمق وسيطرة فكر الكابوي الامريكي يحتاج لعناية خاصة لقيامة على الادلة الظنية في كافة قضاياه على عكس الفكر القانوني الراسخ واعتماد الادلة القطعية في كل من بريطانيا العظمي وفرنسا ومعظم دول اوروبا , نضيف الى ذلك صمت القبور التي تمارسه الجهات الحقوقية الحكومية والخاصة داخل بلادنا العزيزة وكأن لا عمل لها إلا السفر بمقابل كل عام لحضور اجتماعات و مؤتمرات حقوق الانسان حول العالم لتكرار كلام مردد منذ اعوام , وطننا يحتاج لأكثر من ذلك ديانة ودنيا.

موقف المجتمع الدولي من القانون والتدابير المتوقعه
رفض الاتحاد الأوروبي القانون واعتبره تعدي واضح على سيادة الدول، ومخالف لكل ما جاء في ميثاق الأمم المتحدة بخصوص حرية سيادة الدول، ومبدأ المساواة بين الدول، التي بقانون جاستا لن تتعدى كونها كلمات على ورق، القانون يجردها من قيمتها تمامًا.
كما ان هناك شبة اجماع دولي وخليجي وعربي وإسلامي على ذلك , وهو كما ذكرنا لما يحدثه عبث تشريعي بين الدول، لأن كل دولة ستصدر قانون خاص بها يحميها من الدول الأخرى، ويعطيها الحق في السيادة عليها، ومطالبتها بالمثول للحكم تمامًا كالأفراد , كما انه سيساهم في فقد الدول هيبتها كدول وتعامل كأفراد، وفقًا لقوانين على شاكلة قانون “جاستا”، ستتأثر العلاقات الدولية سلبًا وتنهار الثقة بين الدول، وهذا بدوره يؤثر على الاقتصاد والسوق العالمي، حيث ستصل التعاملات الاقتصادية بين الدول إلى أدنى مستوى.

كما أن هذا القانون يعطي رسالة للعالم مفادها؛ أن القضاء الأمريكي له السلطة المطلقة، وله الحق في معاملة كافة الدول كالأفراد، ومطالبتها بالمثول للمحاكمة.
ولا شك ان المضي في هذا القانون وعدم اتخاذ الحكمة وإلغاءه سوف يجبر الدول المتضررة مباشرة منه اتخاذ بعض التدابير ومنها تقليص التعاون الأمني خصوصا في مكافحة الإرهاب وكذلك تقليص التعاملات التقليدية في الاستثمار والتجارة، والاعتماد على منتجات دولية ومحلية، مع التعجيل بسحب الارصدة المالية من النظام المالي الأميركي .

وفي الجانب الاقتصادي استمرار مواصلة التوجه في تنويع سلة الاستثمار والعلاقات التجارية والتركيز أكثر على العالمين العربي والإسلامي والاقتصاديات الكبرى .
حكمة القول :
خلال زيارته لأنقرة، قال وزير الداخلية ولي العهد السعودي الأمير محمد بن نايف – وفقه الله – إن “الاستهداف واضح ولا يختلف عليه اثنان. ولا نستطيع أن نقول لهم لا تستهدفونا، لكن المهم أن نحصّن أنفسنا قدر الإمكان”.
وهي ثقة من المسئولين في بلادنا الغالية بمعرفة ان الاستهداف السياسي والتسييس واضح في بعض القوانين الدولية ولا علاج لها إلا بتحصين الذات بحكمة القرارات اللاحقة والقوة الذاتية وتلاحم الشعب والقيادة , حفظ الله بلادنا وشعبها من كل شر وضرر .

د.محمد بن أحمد بن علي المقصودي
أستاذ القانون بمعهد الادارة العامة بمدينة الرياض

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا