الارشيف / مقالات / الشرق الاوسط

حماقة الكونغرس غير المحتملة

الاثنين - 2 محرم 1438 هـ - 03 أكتوبر 2016 مـ رقم العدد [13824]

من ضمن المعاني المكررة في إصدار «سبويلرز أليرت» (من يقوم بشرح تفاصيل العمل أو الفيلم قبل صدوره) في السنوات الأخيرة. كانت الأساليب التي تتبعها السلطة التنفيذية في الالتفاف على الكونغرس الأميركي فيما يخص السياسة الخارجية سببًا في تركيز الكثير من الصلاحيات في مكتب الرئيس.
ظهر هذا في النقاشات التي جرت مؤخرًا عن حجم الخسارة التي قد يجلبها دونالد ترامب للبلاد وللعالم بأسره حال انتخابه رئيسًا.
رد الفعل الطبيعي لذلك هو أن تجري دعوة الكونغرس والرئيس أوباما للعمل على إعادة توازن القوى بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية. فدستوريًا، يبدو الأمر فكرة عظيمة أشبه بتزييف حالة إجماع كبيرة بين المحافظين الحكوميين الصغار في اليمين، وحمائم السياسة الخارجية في اليسار.
بيد أن هناك مشكلة صغيرة في هذه الفكرة، وهي أنها سوف تعهد للكونغرس بمسؤولية أكبر في السياسة الخارجية، وهي المهمة التي لا يجيدها.
إن أردنا دليلاً على الضعف التشريعي، دعونا نعدْ لبند «العدالة في مواجهة رعاة الإرهاب»، أو ما يعرف بـ«فاتورة جاستا» التي تتيح لضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) مقاضاة الحكومة السعودية عن تلك الهجمات الإرهابية. ففي الربيع الماضي كتبت في مدونتي، بصرف النظر عن الجانب العاطفي، كيف أن تلك الفاتورة ليست بالفكرة الراجحة. وبعدها ردد كبار المحامين الدوليين المرموقين الشيء نفسه لكن بمزيد من التفاصيل. فقد أشارت الحكومة البريطانية إلى أن الفاتورة ربما «تسمح للدول المعادية باتخاذ إجراءات قانونية ضد الولايات المتحدة وحلفائها مثل بريطانيا».
ولذلك لم يشكّل الفيتو الذي استخدمه أوباما - اعتراضا على الفاتورة - مفاجأة، حيث حذر من أن «جاستا» سيكون «من ضمن عواقبه إلغاء الحصانة السيادية في المحاكم الأميركية للحكومات الأجنبية التي لا ترعى الإرهاب». لكن كانت هذه هي المرة الأولى التي يعطل فيها الكونغرس فيتو لأوباما بأصوات الحزبين، مما حوّل «جاستا» إلى قانون.
لنعطِ تحية كبيرة لصلاحيات الكونغرس إذن!
بالتأكيد، لم يكن رد فعل الحكومات العربية على ما يرام، لكن إبطال ذلك الفيتو بالتأكيد بدا شيئًا رائعًا.
لكن الآن وقد حل صباح اليوم التالي الذي أدرك فيه الكونغرس حجم ما فعله، قال موقع «هيلس جوردن كرناي»، إن زعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، فتح الخميس الماضي الباب لتعديل التشريع ليسمح القانون الجديد لعائلات ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر بمقاضاة السعودية في المحاكم الأميركية.
فعندما سأله الصحافيون عن ضغط بعض أعضاء مجلس الشيوخ في اتجاه تعديل الإجراء، أجاب ماكونيل: «أعتقد أن الأمر يتطلب المزيد من النقاشات، لكن هذا لن يحسم الأسبوع الحالي».
وفي مبنى البرلمان، وافق رئيس البرلمان باول دي رايان على أن الكونغرس في حاجة إلى «تعديل» التشريع، لكنه قال إنه ليس متأكدا من توقيت حدوث ذلك.
وأوضح ستيفن دينيس وبيلي هوس، محللا وكالة أنباء «بلومبيرغ نيوز»، قائلين إن كلا من رئيس مجلس النواب باول رايان، ورئيس الأغلبية ميتش ماكونيل، أفادا بأنه ربما كان لذلك الإجراء عواقب غير مقصودة، منها تعريض الجنود الأميركيين للانتقام من قبل الحكومات الأجنبية.
فقبيل التصويت، حذر كبار مسؤولي الإدارة الأميركية من تلك المشكلة بعينها، من أن إضعاف مفهوم الحصانة السيادية للدول قد يكون له مردود عكسي حال تعاملت الحكومات الأجنبية بالمثل مع وزارة الدفاع الأميركية. وفي ذات السياق، أرسل وزير الدفاع آشتون كارتر، خطابًا إلى رئيس لجنة الشؤون العسكرية بمجلس الشيوخ والنائب عن ولاية تكساس، ماك ثورنبيري، قال فيه إن القانون الجديد سوف يعرض الأميركيين «لقضايا وعمليات تحقيق» حتى وإن لم يثبت بالدليل مسؤولية الولايات المتحدة عن الحادث محل التحقيق.
غير أن الجمهوريين أفادوا بأن البيت الأبيض لم يقدم حججًا قوية، مما وضعهم في موقف صعب بلومهم للرئيس على فاتورة قاموا بتحويلها إلى قانون رغم اعتراض أوباما.
ولذلك فإن عذر الكونغرس هو أنه لم يدرك أن الرئيس كان جادًا في اعتراضه على «جاستا» على الرغم من توضيحه العلني لاحقًا لأسباب اعتراضه، وتحذيره بصفة شخصية قادة الكونغرس من عواقب هذا القانون. ولذلك فإن الفاتورة الغبية التي سيكون لها انعكاساتها السلبية على مصالح المواطن الأميركي أصبحت الآن قانونًا.
عندما يتعلق الأمر بالكونغرس وبالعلاقات الخارجية، فها هو جرس التنبيه: أعضاء السلطة التشريعية يريدون اعترافات من دون مسؤولية؛ فهم يريدون ما هو أكبر، يريدون أكبر منابر الوعظ لتكون قبضتهم جاهزة للنيل من جميع أعداء الولايات المتحدة، ثم يمررون القانون الذي يجعلهم يشعرون أنهم باتوا على ما يرام.
عندها يريدون أن يكون الرئيس هو البالغ الوحيد الذي يتحمل جميع المسؤوليات ويتلقى اللوم. إنهم، لا سمح الله، يمارسون ضغوطهم على السلطة التنفيذية، لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي يجري بها تحويل «جاستا» إلى قانون. جوهريًا، يريد الكونغرس أن يكون هو الآمر الناهي في السياسة الخارجية.
ليس هذا جديدًا على الكونغرس، إذ إن كل ما فعلته مشكلة «جاستا» أنها أخرجت المشكلة إلى السطح، وهذا هو السبب في أنه مع مرور السنين، تنازل الكونغرس عن بعض السلطات ومنحها للرئيس، مثل السياسة الاقتصادية الخارجية. سارت الأمور بهذا الشكل على ما يرام لأن الرؤساء يتمنون دومًا أن يظهروا باعتبارهم الناضج الوحيد في المكان، رغم أنه قد يتصرف بشكل لا يلقى قبولاً شعبيًا لكن تصرفه يبدو الأصح.
ومن الآن، فإن هناك فرصة 1 إلى 3 بأن يتمتع الرئيس الأميركي القادم بالنضوج العاطفي والعقلي لطفل في سن السابعة. فإن لم يستطع الرئيس التعامل مع أزمة ما، فحينها سيصبح بمقدور الكونغرس تحمل العبء والمسؤولية الأكبر. فالقصة البطولية لـ«جاستا» هي تذكير صارم بأن الكونغرس غير مهيأ للعب دور في السياسة الخارجية.
* خدمة: «واشنطن بوست»

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا