الارشيف / مقالات / الشرق الاوسط

عالم ما بعد «جاستا»

الاثنين - 2 محرم 1438 هـ - 03 أكتوبر 2016 مـ رقم العدد [13824]

هل يعكس إصرار نواب وشيوخ الشعب الأميركي على إقرار قانون «جاستا» رغبة أميركية واضحة في بسط الهيمنة الأميركية على العالم، مما يعني أننا أمام عالم جديد، عالم ما بعد «جاستا»؟
بدايةً يعكس ما جرى في واشنطن مدى ما وصل إليه الصراع السياسي بين جناحَي الحكم في البلاد؛ التشريعي والتنفيذي، ويبين قدرة الكونغرس الحقيقية على وضع قيود على سلطات الرئيس.
موافقة رجالات الكونغرس على قانون ما يسمى «معاقبة الدول الراعية للإرهاب»، يهدم فكرة الدولة الويستفالية المستقلة، في زمن يواجه فيه الجميع آفاقا أكثر قتامة وحلكة، والكل يستمع إلى قرع طبول الحرب الكونية على الأبواب.
بعيدًا عن تفصيلات «جاستا» التقنية وتداعياته وتبعاته الكارثية، يجد المرء ذاته أمام قائمة طويلة من الأسئلة الجوهرية، إجاباتها تحدد مسار وربما مصير العالم في العقود المقبلة.
هل الدور الأميركي حول العالم الآن وبعد «جاستا» تحديدًا، أضحى حجر زاوية لاستقرار العالم، أم صخرة عثرة تتحطم عليها آمال البشرية في الأمن والسلام؟
هل يرى الأميركيون أنفسهم أباطرة فوق القانون الدولي، ولهم حرية التصرف فيه حرقا وخرقا متى شاءوا وأنى شاءوا؟
هل لديهم من الفوقية الأميركية التقليدية ما يمكِّنهم من معاقبة دول العالم وتجاوز مبادئ وأعراف القانون الدولي لا سيما حصانة الدول المستقلة؟
عالم ما بعد جاستا يدق ناقوس الخطر؛ فقد خيل لنا أن المحافظين الجدد وطرح المائة عام الأميركية دون منافس، والمنبثقة من جذور الاستثنائية الأميركية قد توارت بعيدًا، بعد رحيل بوش الابن، لكن يبدو واضحًا أنها كامنة في ثنايا وحنايا الجينات الأميركية.
يحاجج ويليام كريستول الكاتب والبروفسور وأحد أركان مشروع القرن الأميركي بأنه ليس على الولايات المتحدة أن تكون دركي العالم وشرطيه فقط، بل عليها أيضًا أن تكون منارته ودليله، ويتساءل مستغربا: «أين الشر في أن تهيمن، ما دامت لا تهيمن إلا خدمة لمبادئ صحيحة ومثل نبيلة؟!».
لكن كريستول لم يقل لنا مَن يضع معايير تلك المبادئ، أو من يقف على تقييم هاتيك المثل؟ ربما أميركا اليوم هي الحكم والجلاد معًا.
الذين أرسوا قواعد «ما بعد (جاستا)» لم يتوقفوا قليلا، ربما تحت الخوف من خسارة الانتخابات الرئاسية القادمة وانتخابات التجديد النصفي، أمام سؤال مصيري: «لمن تدين الاستثنائية الأميركية بعمرها الطويل، هل لقوة الولايات المتحدة العسكرية الخشنة، أم لحكمتها وانضباطها وآلياتها الناعمة؟».
تبقى الولايات المتحدة في كل الأحوال أقوى دولة بمفردها، لكنها لا تستطيع أن تحافظ أو بالأحرى تنشئ السلام، وتبسط الوئام والرخاء الدولي على حسابها الخاص وبمعرفتها، فهذا أمر يحتاج النجاح فيه إلى أطراف مشاركة مما يعني الاحتفاظ بالحلفاء القدامى، إلى جانب تطوير شبكات جديدة تستوعب القوى الصاعدة.
غير أن «عالم ما بعد (جاستا)»، ينفر الحلفاء القدامى من أميركا، ويحذر اللاعبين الجدد من سطوتها وهيمنتها اللتين باتتا لا تواريان ولا تداريان. إنه عالم أميركا الشرطي الذي عين نفسه بنفسه للتفتيش في العقول والضمائر، ولاحقا مد اليد الطولى في الجيوب.
هل قيادة أميركا المقبلة، سواء فاز دونالد ترامب أم هيلاري كلينتون، تتمثل في أي منهما روح الرئيس «الميكيافيللي»، القائد الذي يفهم أن جوهر القوة أخلاقي لا استعلائي؟
هيلاري وترامب ومن خلال رصد تصريحاتهما السابقة عن «جاستا» وما حولها يدعمان القانون، وما ينشأ من عوالم تصادمية بعده، وهذه حقيقة لا مراء فيها، ومن شجرة التين يتعلم الإنسان المثل، فمتى لانت واخضرت أوراقها يعلم الناظر أن الصيف قريب.
استدعاء عدو من الماضي القريب «الإرهاب»، والتركيز عليه أمر جذاب سياسيا على المدى القصير، إذ يتميز بتضخيم عدو مجهول واستغلال المخاوف الغامضة لأغراض دعم الحشد الشعبي، لكن الاعتماد على مثل هذه فكرة كاستراتيجية بعيدة المدى، يفتقر إلى القوة المستمرة، ويمكن أن يكون باعثًا على التقسيم على الصعيد الدولي.
عالم ما بعد «جاستا» يوّلد أجواء من الافتراق لا الاتفاق، ويعطي مجالا لتصاعد الإرهاب، طاعون القرن الحادي والعشرين، ويعود بنا إلى نظريات شمولية «أبوكريفية» من عينة «صدام الحضارات» و«نهاية التاريخ»، وجميعها تعطي دول العالم الذريعة لاتهام أميركا بأنها «الخارجة على القانون» لا راعيته الأممية.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا