الارشيف / مقالات / الرياض

قانون «جاستا»: حلقة أخرى في مسلسل الضغط!!

إدارة الأزمات الكبرى، تتجاوز المستقر والثابت أو النسق المعمول به لعقود، لتبحث في وسائل وتصورات ومشروعات تستعيد الثقة بالقدرة على المواجهة في ظروف مختلفة ومعطيات مختلفة ومخاطر ذات طبيعة مختلفة

ليس أكثر خطراً على أمة من حالة الاسترخاء في ظروف القلق والمخاطر والتحديات الكبرى.

والشعور بالخطر في ظروف الأزمات والتحديات الكبرى، سمة وعي، إلا أنه لا يجب أن يتوقف عند هذا الحد، بل يجب أن يتحول إلى مشروع مراجعة لعناصر القوة ونوع التحديات الجديدة.. فالزمن لا يجري دوما في سياق تبريد الأزمات.. بل ربما تنسحب الفرصة تلو الأخرى مما يراكم التحديات ويهدد المنجز وهو يستدعي التصدي لوقائع وظروف جديدة..

تشخيص الحالة بدقة، وتحديد مصادر الخطر، وقراءة المشهد بعين مفتوحة والبحث عن كل الخيارات الممكنة وإبداع تصورات جديدة لمواجهة تلك المخاطر والتحديات.. المدخل الضروري والحتمي لمشروع الحماية الذاتية.

هل كان قانون "جاستا" مفاجئاً.. ربما لا، فقد كان من الواضح خلال العامين الماضيين التركيز الشديد في الإعلام الأمريكي على المملكة، وكانت مراكز البحوث ولوبيات الضغط نشطة في اتجاه الربط بين المملكة وكارثة الإرهاب. كان الاتجاه واضحاً ان ثمة خطوات أخرى تستهدف المملكة.. ولم يحفل القانون الأمريكي باعتراض البيت الأبيض مما يؤكد أن الإعداد له كان مركزا ولوبيات الضغط مستعدة لمثل قرار الفيتو الرئاسي.

"جاستا" ورقة أخرى من أوراق الضغط.. وهي لا تخرج عن سياق التحديات القائمة في المنطقة.. ولا يمكن فصله عن التطورات في المنطقة. فالمشروع الايراني ماض في محاصرة هذه المنطقة وإشعال التوتر فيها وتوظيف الطائفة في مسلسل لم تتراجع ضراوته منذ أكثر من عقدين، ولكنه ازداد شراسة وتحدياً منذ الغزو الأمريكي للعراق.. وما تلاه من تداعيات جعلت سورية مجالا لتوسيع نطاق المواجهة على النحو الذي نراه اليوم.

والتحالف الروسي الايراني، الذي نراه اليوم بلا لبس يصل إلى أعلى درجات التنسيق في مواجهة الأكثرية في سورية باعتبارها مخزن ومستودع الطاقة البشرية الرافضة لنظام الاسد.. الذي حوّل سورية إلى أكبر مجزرة في تاريخ المنطقة، ناهيك عن التدمير والتهجير المبرمج لتغيير طبيعة الديموغرافيا السكانية.. تحد آخر ماض في رسم خرائط دويلات الطوائف.

وفي اليمن، هناك من يعمل لتصبح حقل استنزاف مفتوح للمملكة.. والأطراف التي تحرك خيوط تلك الحرب لم تعد خافية، فالحوثيون وقوات صالح لم تعد سوى أدوات تتحرك وفق حسابات تدار في طهران.. وعواصم أخرى ساهمت في إرباك الساحة اليمنية وخلط الأوراق..

تنظيمات التطرف والعنف، من داعش والقاعدة، ستظل بيادق في رقعة الصراع الأكبر حتى تنتهي أدوارها، فهي أدوات رخيصة الثمن بالغة التأثير لمزيد من التورط في بحور الإرهاب، الذي أصبح حصان طروادة لتمرير مخططات التفتيت وتغيير خرائط المنطقة ومزيد من التورط في حروب الإنهاك والتدمير المستمرين.

التحالف الأمريكي المسكوت عنه مع النظام الايراني في العراق، والتفاهم الامريكي حول الدور الايراني في سورية.. لم تعد تخفيه تصريحات إعلامية مضللة.. مما ألقى بظلاله على العلاقة السعودية الامريكية التي ظلت راسخة لأكثر من ستة عقود.

قانون "العدالة ضد الدول الراعية للإرهاب" (جاستا).. ربما كان الأخطر في مسلسل تداعي التحالفات.. فهو إعلان بالغ الدلالة على تحول العلاقات مع الحليف الأهم الى مستوى القلق من هذا الحليف، الذي غير بوصلة اتجاهاته ليصدر قانونا يمكن توظيفه باستمرار عبر سلسلة من الإجراءات التي تزيد الضغوط على المملكة في مرحلة تواجه فيها المنطقة مخاطر كبرى وتهديدات مستمرة وحروباً مستعرة.

كان من الواضح خلال الشهور الماضية تلك الحملة الإعلامية الشرسة على المملكة، ونشاط مراكز البحوث والنشر من خلال تركيز الإدانات على المملكة والربط بينها وبين داعش والقاعدة وصناعة الإرهاب.. كان ثمة مختبر كبير يعمل بقوة لتركيز وحشد تلك الادعاءات حتى أثمر عن هذا التمرير قانونا لا يمكن التكهن بما سيقود إليه عند استخدامه.

كل الاحتمالات مفتوحة ليشكل هذا القانون خطرا على المملكة، وخطرا على مصالحها، وخطرا على دول الخليج العربية برمتها. لا يمكن فصل هذا القانون عن الحملات التي توالت في الشهور الأخيرة ضد المملكة.. إنه سلسلة بدت تأخذ مسارها في تهديدات جدية يجب ان تؤخذ بأقصى درجات الحذر والمواجهة الفاعلة.

تعددت مصادر الخطر، لكن يجمعها ويربط بينها طبيعة الصراع في المنطقة اليوم والأطراف الفاعلة في تغذيته ودعم تواصله.. والأهداف النهائية لهذا الصراع.

إن من يتأمل هذه المخاطر والتحديات يدرك أن ثمة مشروعا كبيرا للهدم والتقويض والانهاك، فهي ليست سوى سلسلة متصلة استغرقت ما يزيد عن العقد، ومنذ هدم العراق العربي، الذي كان مدخلا وقاعدة لخطة الاضعاف والتفتيت ونسف التحالفات القديمة.

تحديات كبرى، ومخاطر تكشف عن نفسها بلا لبس أو مواربة.. تتطلب المزيد من حشد القدرات السياسية وإعادة التفكير خارج صندوق العلاقات القديمة التي ما عادت مستقرة، لوضع مصلحة وحماية المملكة فوق أي اعتبار.

مخاطر تتطلب إعادة قراءة المشهد على نحو مختلف، فالمعالجات القديمة ربما لم تعد مجدية او بدت جدواها ضعيفة المردود..

الأزمات الكبرى، والتحديات الأخطر، تتطلب التفكير خارج صندوق المعادلات القديمة.. لترسم ملامح مشروع تحييد تلك المخاطر قدر الإمكان، لا الوقوع في شركها لأن الأثمان باهظة وقد تكون قاصمة أيضا، كما لا يمكن الركون للتنديد والاحتجاج، وانما استثمار مصادر القوة في إعادة التوازن للمشهد..لا يمكن مواجهة تحديات الأخطار الخارجية بقصائد الهجاء والإدانة، تلك الأدوات لن تؤثر في الخصم، وأحيانا تكون تعبيرا عن الإخفاق.. ما يؤثر ويفيد براعة العمل السياسي وبحث كل الخيارات الممكنة دون التورط في مشروعات نتائجها قد تكون خطرة.. ولا يمكن ضمانها أو دفع كلفتها..

إدارة الأزمات الكبرى، تتجاوز المستقر والثابت أو النسق المعمول به لعقود، لتبحث في وسائل وتصورات ومشروعات تستعيد الثقة بالقدرة على المواجهة في ظروف مختلفة ومعطيات مختلفة ومخاطر ذات طبيعة مختلفة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا