الارشيف / مقالات / الرياض

بين حزن الماضي وخوف المستقبل.. ضاع حلو الحاضر

كان لديك كل الحق عندما أطلقتَ صرختك الاحتجاجية الأولى لحظة ولادتك. أن تأتي من ذلك العدم الهادئ، وطمأنينة اللاشيء إلى هذا العالم المجنون هو أمر يستحق البكاء والعويل. لكنك جئت رغماً عنك. وبدأت خوض تجربة لم يكن لديك خيار في رفضها.

هذه الحياة رغم ما تبدو عليه من فتنة وجمال إلا أنها مرعبة ومخيفة. أنت تمشي بين الحياة والموت على خيط رفيع. وبين وقت وآخر تقذفك الأقدار بخطافات قد تصيبك وقد تخطئك. كل شيء تنعم به قد يتغير في لحظة. حادث سيارة يقودك لعجز دائم. قطرة دم صغيرة تتخثر في أحد عروقك فتذهب في غيبوبة لسنوات وغير ذلك من الاحتمالات المرعبة التي قد تحدث في أي لحظة من حياتك أو حياة من تحب.

دع عنك المستقبل. ربما ذكرى سيئة في الماضي تظل تلاحقك طوال عمرك. تجرجرها خلفك مثل جثة متعفنة. باختصار أكثر ما يخيف في هذه الحياة ليس الموت بل المفاجآت.

ولأن وجودكَ وعدمكَ ليس خيارك، فعليك أن تتعلم كيف تتعايش مع تقلبات الحياة. أن تتماهى مع تغيراتها مثل سفينة تهادن بحراً هائجاً.

الفيلسوف ووزير التعليم الفرنسي السابق لوك فيري تحدث حول إشكالية حزن الماضي وخوف المستقبل بشكل رائع في كتابه "أجمل قصة في تاريخ الفلسفة" والذي ترجم الأستاذ أحمد بادغيش أجزاء منه.

يقول لوك: "من فرط العيش في الماضي أو المستقبل، "نفتقد الحياة". وهنا نلتقى بمقولة (هوراس) الشهيرة: "اقطف يومك الحاضر، دون أن تتلهى عنه بمشاعر الغم على الآتي من الأيام أو الحنين إلى الماضي". هذا ما يسميه (نيتشه): حب ما هو موجود، حاضر أمامنا، "حب المصير".

لو تأملت بعمق الكثير ممّا يحزنك أو يقلقك أو يشغل بالك الآن فستجد أن له علاقة بالماضي أو المستقبل، في حين أن الحاضر، هذه اللحظة الجميلة العذبة تفقد كل جمالها وطمأنينتها.

يتحدث لوك عن منغص آخر من منغصات الحياة وهو الخوف. ذلك الشعور الذي "يحوّلنا إلى أغبياء وخبثاء؛ أغبياء لأن دواعي خوفنا لا عقلانية في أغلب الأحيان، إن لم تكن حمقاء" وخبثاء "لأنه تحت وطأة الخوف، لا يفكر المرء إلا في ذاته، وهو على استعداد لأن يفعل أي شيء ليتقي الخطر الذي يهدده، إلى درجة ترك الآخرين في المواجهة، وحتى التضحية بهم"..

كما يتحدث الفيلسوف الفرنسي عن الخوف من الموت، والذي يفقد قوته وتأثيره في حال استوعب الإنسان فكرته وأنه لحظة عبور وانتقال من حالة الى أخرى.

وأخيرا، لا يمكن للخائف من المستقبل والحزين على الماضي أن يستمتع بطيب العيش وراحة البال أو على الأقل أن يجعل وقع مفاجآتها أخف وطأة. الحل يكمن في التفاؤل ومحاولة البحث عن نقطة ضوء إيجابية في كل ظرف سيئ. والأهم من ذلك كله الانفصال عن الماضي والمستقبل والاستمتاع بجمال اللحظة التي تعيشها الآن مهما بدت بسيطة وتافهة.

[email protected]

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا