الارشيف / مقالات / الرياض

رؤية في السياسة السعودية داخلياً وخارجياً

قانون (جاستا) أنتج الدرس السياسي الأهم حيث إن المصالح مهما كان نوعها تظل متحكماً رئيساً في العلاقات الدولية، السؤال المهم كيف يمكن العمل مع أمريكا على جميع المستويات..؟

المجتمع السعودي وخلال عقود مضت اعتاد على أساليب مختلفة للعيش حيث كان الاقتصاد يعتمد بشكل كبير على ماتقدمة الدولة من عائدات البترول للشعب، ومع ان مداخيل البترول لم تكن تحظى بذات الاستقرار دائماً؛ إلا انه في كل مرة يتم فيها الإحساس بالألم الحكومي والشعبي نتيجة نقص إمدادات البترول المالية، تعود الأسعار مرة أخرى للارتفاع فننسى تلك الأزمات ونعاود الاعتماد على مداخيل البترول، اليوم نحن أمام ذات السؤال هل يمكن الحد من الاعتماد على مداخيل البترول..؟ وقبل كل شيء يجب أن ندرك حقيقة اقتصادية تقول إن العالم كله سيظل معتمدا على البترول كمصدر للطاقة على الأقل حتى نهاية هذا القرن الميلادي.

السياسة الاقتصادية التي تم اعتمادها خلال العقود الماضية لم تنتج الكثير من الطموحات الحكومية فهناك اعتمادية عالية على اقتصاد يتحرك بأيدٍ معظمها قادمة من الخارج، وهناك سلوك استهلاكي مجتمعي غير منضبط إلى حد كبير، وهناك طبقة وسطى لا تساهم في إحداث توازن اقتصادي كما هو مطلوب في إطار اقتصادي مكتمل، وهذا يدفعني لمناقشة أن فكرة الاعتماد على النفط يجب ان تتحول الى فكرة الاعتماد على المواطن والاستثمار في البشر، خلق مجتمع منتج عملية ليست سهلة اقتصادياً وخطيرة في بعض البيئات السياسية لانها يمكن ان تفسر انها تحدّ، ولكن الشفافية في الاتجاهات يمكن ان تساهم في الحد من هذه المخاطر لأن دوائر التحول يجب أن تتحرك بشكل متسق (اقتصادي، سياسي، اجتماعي).

الرهان على اكثر من سبعين بالمائة من المجتمع السعودي يبدأ من التعليم ومشروع الدولة في هذا الجانب لابد وأن يسهم في الحد من النمو الأيديولوجي ليتجه نحو تعزيز نمو النموذج الوطني المعتدل، فأكبر خطيئة يمكن ان ترتكبها الدول هي أن تضع جميع منتجاتها من الشباب خلف المكاتب، الرهان الآخر زمني ففكرة التدرج والصبر هي فكرة عرفها المجتمع السعودي في مؤسسة الحكم على مر السنين والتحول الذي تنشده السعودية يجب ان يكون مدركاً ويعي التاريخ المجتمعي جيدا.

المسؤولون السعوديون يصفون فكرة التحول "بثورة مجتمعية برداء اقتصادي"، وهذا يسهم في فهم مرتكزات هذا التحول ومعاييره، ولكن السؤال الأهم أيضا كيف يمكن الربط بين ما تعمل الحكومة على إنجازه وبين المعطيات الدولية التي تتسارع بشكل مقلق فالمنطقة والعالم يتغير بشكل تحولي أيضا.

قبول المجتمع السعودي للتحولات يتطلب كما أعتقد مساحات من الشفافية والوضوح لفهم المبررات والأبعاد خلف كل قرار يتم اتخاذة، الحكومات تدرك انها عندما تتخذ قرارات استراتيجية هي في واقعها لا تسعى الى معاقبة الشعوب بقدر ما هي تسهم في تغيير وتسهيل حياة الشعوب وبطرق مختلفة تتطلب في أحيان كثيرة اتخاذ خطوات متعددة اقتصادية وسياسية وثقافية، ولن يبقى السؤال حول كيف يمكن للشعوب أن تفهم الصورة الكاملة... وهنا تأتي أهمية المعادلة الإعلامية لخلق التوازن بين طموحات الحكومات وبين تطلعات الشعوب والعامل المشترك والمتغير الأساس في هذه المعادلة هو الشفافية والتفسير والتوضيح والصبر على أسئلة المجتمع دون تبريرات ثقافية او ميتافيزيقية او حتى أيديولوجية، فالمجتمع يمر بمرحلة تحول وليست مرحلة من مراحل استعادة أسعار البترول كما كانت في السابق.

في الجانب السياسي تزامنت تحولات السعودية مع اتجاهات أمريكية نحو إقرار قانون (جاستا) وهو القانون المسمى (قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب) هذا القانون أثبت لنا وللعالم أن الشعوب ذات الإطار الديمقراطي كما في أمريكا تستطيع دفع الحكومات والضغط عليها مهما طال الزمن نحو إقرار الأنظمة والقوانين التي ترغبها الشعوب، حتى ولو كانت تلك القوانين بشكل مباشر أو غير مباشر تمس حلفاء أو أصدقاء لأمريكا، كما ان أزمات المنطقة منذ ما سمى الربيع العربي وتدخلات إيران في أربع دول عربية مهمة، كل ذلك مشهد سياسي يتطلب التعامل معه بشكل إيجابي.

قانون (جاستا) أنتج الدرس السياسي الأهم حيث إن المصالح مهما كان نوعها تظل متحكماً رئيساً في العلاقات الدولية، السؤال المهم كيف يمكن العمل مع أمريكا على جميع المستويات..؟ نحن العرب من السهل استعطافنا ومن السهل استعداؤنا، فهل نسمح لقانون (جاستا) بفعل ذلك، يقول مكيافيلي "من الأفضل للمرء أن يخشى أكثر من أن يحب"، يسود المجتمع انفعال متأجج وهذا من حق المجتمع، ولكن الحقيقة انه لا دليل يمكن ان يوجه نحو الحكومة السعودية وخاصة بعد الإفراج عن الصفحات السرية في تقرير الحادي عشر من سبتمبر، ولذلك الأثر الدولي لمثل هذا القرار هو مكمن الخطر.

رؤيتنا لقانون (جاستا) يجب أن تنطلق من حقيقة أن "الصور التي تغلف الأشياء والحقائق هي أشد فتكاً من الحقائق نفسها، كون الإنسان يتأثر بشكل سريع للصورة الأولى التي تظهر عليها الأشياء أكثر من الحقائق"، التعامل القانوني مع هذا القانون هو المحور الأساسي، أما التعامل الانفعالي فهو غير مطلوب، أمريكا ونحن ندرك تلك الآثار السلبية التي يمكن أن يتركها هذا القانون على السلم العالمي وتطورات تطبيق هذا القانون إذا سارت كما تنشر وسائل الإعلام محلياً ودولياً سيكون عملية مؤثرة على كل دول العالم لان اختراق سيادة الدول بهذه الطريقة سابقة خطيرة في الإطار الدولي.

وأخيراً وفي المجال السياسي تحديداً وما يخص السياسات في المنطقة العربية بشكل مباشر، قد تجد الدول نفسها أمام مسارات كان من الخطأ تبنيها ولكنها فعلت في وقت من الأوقات ولظروف محددة، وهي تعلم أنها ارتكبت خطأ ما ولكن في الوقت ذاته يصبح من الخطر التخلي عن ذلك الموقف.

[email protected]

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا