الارشيف / مقالات / كل الوطن

ابن نايف وأردوغان.. عينية التكامل وإثم الخلاف

كل الوطن1 3 أكتوبر 2016 تحديث : الإثنين 3 أكتوبر 2016 - 11:35 مساءً

في خضم السخط السعودي الشعبي والرسمي، الذي سربل كل البلاد، بسبب قانون “جاستا” الأمريكي، والخوف والقلق من الابتزاز القادم من الكاوبوي المضطرب عبر محاكمه، وضياع أرصدتنا واستثماراتنا في البنوك الأمريكية؛ كانت زيارة سمو ولي العهد السعودي محمد بن نايف لأنقرة مصدر راحة واطمئنان من جهات عدة.

الزيارة أتت قبل أيام من زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لإيران، وولي العهد السعودي الذي يحظي بشعبية كبيرة في السعودية بسبب تحجيمه الإرهاب، وملكاته الكبيرة وكارزميته، يخطو خطوات جادة في رسم ملامح السياسة السعودية، فهذه الزيارة المهمة لتركيا أتت بعد تمثيله الكبير للسعودية في الأمم المتحدة، وكنت أحد الذين كتبوا هنا وقد رصدت تحركات تركيا بعد الانقلاب الغاشم على الشرعية فيها، وتخوفت من أن ترتمي في أحضان الدب الروسي أو الملالي في طهران، ودعوت دول الخليج لقطع ذلك بتقوية الصلات مع أنقرة.

في خضم تلك الزيارة التي اكتسبت تغطية إعلامية واسعة، فجر ساحة تويتر الكاتب الإماراتي عبدالخالق عبدالله، حيث قلل من أهمية اللقاءات السعودية التركية التي جرت مؤخرا، قائلا إن لتركيا مصالح مع إيران، ولا يجمعها أي تفاهم مع السعودية رغم تعدد لقاءاتهما. وأكمل في تغريدة له: “تعدد القمم واللقاءات السعودية التركية لا يعني وجود تفاهم سعودي تركي إستراتيجي عميق. فقلب وعقل ومصالح تركيا مع إيران”.

رغم تعاطفي الكبير مع كل الذين ردوا على عبدالخالق وهم يرون أن العلاقات التركية السعودية في أحسن حالاتها، إلا أنني أختلف معهم بسبب أن العلاقات لم تصل للمرحلة التي تتطلبها الأوضاع التي تحيط بالبلدين، وهذه الزيارات المتكررة بين قادة الدولتين هي للوصول لما نريده من تكامل وعلاقة أعمق بكثير مما هو حاصل اليوم، فكلا البلدين بحاجة لبعضهما، وهو ما عبر عنه ولي العهد السعودي – رجل السياسة القادم بقوة – بتصريحه في لقائه مع يلدريم: “الاستهداف واضح ولا يختلف عليه اثنان، ولا نستطيع أن نقول لهم لا تستهدفونا، لكن المهم أن نحصن أنفسنا قدر الإمكان”. وقال: “تركيا بلد شقيق لنا، ويهمنا دائمًا أن يكون التنسيق بيننا قويًا والعمل مشتركًا، لأننا بالفعل بحاجة إلى بعضنا البعض”.

إيمان قادة البلدين بحاجة بعضهما إلى الآخر، ترجم عبر هذه اللقاءات المتتالية في خلال 11 شهرا “3 قمم مع العاهل السعودي (نوفمبر وديسمبر 2015 وأبريل 2016)، وقمتين مع ولي العهد السعودي، وقمة مع ولي ولي العهد السعودي (خلال شهر سبتمبر)”.

ولكن في المقابل، هل ما قاله الكاتب الإماراتي عبدالخالق عبدالله صحيحا بألا تفاهم يجمع بين السعودية وتركيا؟!، الحقيقة أن الصواب جانبه تماما فيما كتب، ولعل الباحث التركي في الشؤون العربية الصديق محمد زاهد جول ترجم ذلك في لقاء له قبل عام وقتما وضع النقاط على الحروف، حيث قال: “قناعتي الشخصية أن العلاقة ليست على هذا القدر من السوء كما يشاع، فالعلاقات التركية السعودية في أفضل حالاتها، على مستوى المؤسسات (أمنيا واقتصاديا وعسكريا) وعلى مستوى تدفق الاستثمارات، والسياحة السعودية ظلت الأعلى عربيا في مجال السياحة والاستثمارات وبالأرقام. وسأكشف سرا اليوم، وهو أن التعاون التركي السعودي العسكري قفز قفزات نوعية خلال السنتين الأخيرتين، فهناك مصنع تركي عسكري موجود بالقرب من الرياض، كما أن التعاون الأمني والاستخباراتي لم يتوقف بين البلدين”.

ويشير جول إلى السبب الحقيقي الذي لم يوصل البلدين إلى المستوى المأمول، واللقاء أجري معه قبل عام تقريبا: “هناك توتر نعم، وسببه موقف تركيا من دول الربيع العربي، وبالتحديد منذ قال أردوغان للمخلوع المصري مبارك: “ارحل”. ويكمل: “هناك تطرف إعلامي هنا وهناك، ولكن لا يمكن أن نقول إن الإعلام بمعزل عن الرؤى السياسية. الخلاف حاد جدًّا إعلاميا في السنوات الثلاث أو الاثنتين الأخيرتين، فعندما ننظر لوسائل الإعلام السعودية أو المقربة من السعودية بشكل عام، وتناولها للمسألة التركية الداخلية والخارجية سنجدها كأنها تمارس أعمال المعارضة التركية، وتوجه سهام النقد لشخص رجب طيب أردوغان بشكل مباشر. الأمر نفسه وبأقل حدة بكثير تتم ممارسته في بعض وسائل الإعلام التركية تجاه السعودية والإمارات، وإن كان الحضور العربي في الإعلام التركي أقل بكثير من حضور تركيا في الإعلام العربي”.

سألت الزميل الكبير جمال خاشقجي عبر اتصال هاتفي، وهو الذي خصه أردوغان بمقابلة خاصة في ضربة إعلامية مميزة لقناة “روتانا”، حيال هذه الحفاوة بالأمير محمد بن نايف: “سألت أردوغان في مقابلتي عن تصريح الأمير محمد بن نايف حيال استهداف البلدين، فاسترسل أردوغان والمرارة مرتسمة عليه، وعدّد كثيرا من الظلم الذي يقع على الأمة، وشاطر الأمير شعوره بالاستهداف، وأكد أن تركيا بحاجة للسعودية، محمد بن نايف استحق التكريم من تركيا بأرفع وسام، والتكريم بالطبع كان للسعودية”

يكمل خاشقجي حديثه لي عندما سألته عمن يقول بألا تفاهم بين السعودية وتركيا بما كتبه عبدالخالق، وهل تلمّس ذلك من لقائه مع أردوغان، رد عليّ: “أستغرب جدا من أخينا عبدالخالق عبدالله وهو رجل العلوم السياسية لما غرد به، ولا أدري عن حرصه على التثبيط الذي يمارسه من التحالف بين البلدين، رغم أنني سمعت هنا عن دفء في العلاقات التركية الإماراتية، وأن الشيخ عبدالله بن زايد سيقوم بزيارة قريبة لأنقرة، وهذا الذي نتوسمه جميعا، لإشاعة الروح الإيجابية، مسألة علاقة تركيا بإيران أمثله لك بالتالي: إن احتملت السعودية إيران في اليمن، فيمكن حينها أن تحتمل تركيا إيران في سوريا. الأتراك يرفضون تماما وجود إيران في محيطها”.

اختتمت المهاتفة مع الزميل خاشقجي بسؤاله عن انطباعه الشخصي من حواره المدوّي مع أردوغان، قال: “الرجل متعب جدا أمام الهمّ كبير والتحديات الهائلة التي تواجهه، ورؤيتي تقول بألا حلّ إلا باتفاق وتكامل تركيا والسعودية لحل مشاكل المنطقة، ولو كنت مفتيا لقلت بعينية ووجوب التعاون بين البلدين وأن خلافهما إثم كبير، وهذا لخير البلدين والأمة ولكل الذين ضدهما من دول الخليج”.

ابتسمت طويلا من الفتوى، وودعت الزميل بعد تهنئته بالخبطة الإعلامية لمجموعة “روتانا”، ورددت: نجم السياسة السعودية القادم وأمير الحرب على الإرهاب سيقطع الطريق على إيران باحتواء تركيا، والأتراك يعرفون جيدا أهمية تكاملنا معهم ونفعه للمنطقة على المدى القريب والبعيد، وهو ما نؤمله في تعزيز وتوسعة التعاون ليشمل دول الإمارات والكويت، فقطر على علاقة أكمل مع تركيا.

التكامل اليوم بين السعودية وتركيا فرض عين، والخلاف إثم كبير.. يا لها من فتوى!!

* صحيفة الشرق القطرية

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا