الارشيف / مقالات / اليوم السعودية

القطاع العام.. الدواء المر

قرار مجلس الوزراء الأسبوع الماضي الذي تضمن تعديل الأوضاع في البدلات والمكافآت والمميزات في القطاع العام هو أقرب إلى «الدواء المر» الذي لا مفر منه، فنحن نتشارك مع أشقائنا في دول الخليج في مشكلة رئيسية للاقتصاد الوطني. في دول المجلس أصبح القطاع العام مشكلة رئيسية أمام النمو الاقتصادي المستدام، والخلل يجده المختصون في تحول جزء رئيس من إجمالي الناتج المحلي إلى بند الأجور ويصل الآن معدله في الدول الست إلى 12 بالمائة، وهذا رقم كبير مرهق إذا أخذنا في الاعتبار فقط معدلات الإنتاجية المتواضعة للقطاع العام.

في عقود مضت ربما كان ضروريا التوسع في بناء القطاع العام، فالدخل من النفط نما إلى معدلات ساعدت الحكومات على التوسع في ملاحقة احتياجات الناس عبر التوسع في مشاريع البنية الأساسية. وحققت الدول الست نقلة كبيرة في هذا المجال. ولكن الآن، ومع تراجع دخل النفط وارتفاع متطلبات التشغيل والصيانة لهذه البنية وأيضا تنامي الباحثين عن العمل والخوف من البطالة، أصبح من الضروري مراجعة تكلفة القطاع العام، وهذا يقدم كأكبر تحد لدول الخليج.

في تصوري هو تحد اقتصادي ـ إنتاجي، ومشكلة سياسية واجتماعية.. لأن الإدمان على الوظيفة المريحة أمر يجعل الفكاك منه صعبا ومؤلما ويحمل في طياته المخاطر، والقطاع العام أدمن معدلات الإنتاجية المتواضعة وتحولت بيئة العمل إلى واحة مريحة، وهذا له خطورته على الإبداع والمبادرة، وخطر على الأجيال الجديدة التي لم تدخل الوظيفة بعد، فنحن نعاني من جيل ينتج بمعدلات متواضعة، وقد نخسر ثمار تأهيل الجيل الجديد، نريد استعادة روح العمل والمثابرة والعصامية لدى أجدادنا الذين عرفوا كيف يواجهون المستحيل ليعيشوا حياة كريمة.

طبعا ليس من العدل الموضوعي في التحليل تجاهل القيمة المُضافة غير المباشرة لأداء موظفي القطاع العام، وهنا نقصد أن الاستقرار الوظيفي واستقرار الدخل أوجد البيئة الأسرية المستقرة وهيأ الأجواء للأبناء لكي يواصلوا تعليمهم ويتفوقوا في التعليم والعمل، فالراتب القليل لموظف بسيط أنتج الأطباء والمهندسين والمعلمين وأساتذة الجامعات، ومثله صاحب المحل التجاري البسيط في أسوِاق مدننا في الحقبة الطينية.

أيضا في السابق رأت الحكومات أن التوسع في نفقات القطاع العام وسيلة لتوزيع الثروة الوطنية بين الناس، فحينئذ الأنشطة التجارية والاستثمارية كانت متواضعة وقليلة، لذا أوجد القطاع العام المجال السريع لتحسين أوضاع الناس عبر الأجور والبدلات العديدة.

هذا الأمر الإيجابي وربما الضروري في حقبة معينة أصبح سلبيا بل خطيرا الآن. الاقتصاديات الحديثة وتبدل طبيعة الوظيفة وتغير بيئة العمل تقود إلى تراجع الطرق التقليدية للإنتاج، فثورة المعلومات والاتصالات تفتح مجالات جديدة للعمل بعيدا عن المكاتب وبتكلفة أقل وبأعلى إنتاجية، وهذا يفرض على القطاع العام ضرورة الانتقال إلى حقبة الفعالية الإدارية. إن تقلص الوظائف بسبب التغيرات التكنولوجية من ثمار التقدم الاقتصادي، والآن نستذكر مخاوف «البطالة التكنولوجية» التي تعود إلى حقبة الثورة الصناعية.

إننا في حقبة المنظمات الذكية التي تحدث عنها «ألفن تفلر» في كتابه «صدمة المستقبل» قبل ثلاثة عقود، أشار تفلر إلى أن المنظمات الذكية في استثمار مواردها هي التي سوف تقود المنافسة والريادة في القرن الحادي والعشرين. نحن لم نعد على أعتاب هذه المرحلة بل نحن في خضم المرحلة الأولى ومحليا نرى تطبيقاتها لدينا، إذ نجحنا الآن في التعاملات الإلكترونية و(خدمات وزارة الداخلية) خير مثال على ولادة المنظمات الذكية في استثمار الموارد وكفاءة تقديم الخدمة وخفض التكلفة.

التغير في طبيعة العمل وطرق الإنتاج لا يهدد الوظائف البيضاء، بل قطاع الصناعة تهدده معطيات الثورة الصناعية الرقمية الرابعة التي بدأت بواكير منتجاتها الآن، وهي ثورة لا تهدد الموارد البشرية فحسب، بل حتى «الروبوتات» التي قادت الثورة الصناعية الثالثة سوف يلحقها الضرر «مسكينة!»، وأطرف تعليق يلخص هذه الثورة جاء في مقال طويل لأحد العلماء حيث يتوقع بعد بضع سنوات أن نرى الروبوتات تتظاهر في الشوارع مطالبة بوظائفها!

القطاع العام لدينا لم يعد تكلفة تشغيلية كبرى فقط، بل الخشية أن يتحول من حقبة قيادة التنمية وقاطرتها الأساسية إلى «عائق التنمية» وقوة الجذب إلى الخلف.

تراجع أداء القطاع الخاص واستمرار اختناق الفرص الاستثمارية يعزى إلى ارتفاع معدلات البيروقراطية وتنازع الصلاحيات بين الأجهزة الحكومية، ورأينا لسنوات رؤوس أموالنا تهاجر بحثا عن الفرص الاستثمارية رغم حاجتنا الكبيرة لهذه الاستثمارات. وحتى أزمة الإسكان سببها القطاع العام الذي أعاق وأخر فسح المخططات وبالتالي ارتفعت أسعار الأراضي. هناك أمثلة عديدة للإعاقات التي أحدثها توسع القطاع العام.

ليس هناك وسيلة موضوعية للتصدي لتوسع القطاع العام إلا عبر رفع متطلبات وشروط العمل وإدخال آليات التحفيز والمكافأة والمحاسبة الموضوعية التي تكافئ المتميزين وتعالج أوضاع المتكاسلين فاقدي الدافع للعمل وفاقدي المهارة. لقد تسبب القطاع العام في إنتاج جيل فاقد الحافز للإنتاج والإبداع، والتدخل لعلاج هذا الخلل مع الأسف يحتاج إلى جراحات رئيسية وهذه التكلفة الكبيرة علينا مواجهتها الآن.

توسع القطاع الخاص وتنوعه يقدم الآن فرصة لتوسيع قاعدة العمل ورأينا كيف نجحنا في هذا المسعى عبر مسارات مثل تأنيث محلات المستلزمات النسائية، وهذه الخطوة التي جاءت متأخرة شجعت على الانتقال إلى مجالات أخرى مثل محلات بيع منتجات الاتصالات وهذه سوف تنجح، وبعدها ضروري أن ننتقل إلى مجالات أخرى وسوف ننجح فيها بحول الله.

ومن عوامل النجاح دفع الموظفين في القطاع العام إلى الهجرة للأعمال التجارية والعمل في القطاع الخاص، والإجراءات التي اتخذت لرفع تكلفة العمالة غير المنتجة في الاقتصاد خطوة ضرورية لتقليل عوامل المنافسة أمام السعوديين وبالذات رخص الأجور. القطاع الخاص الذي أدمن رخص الأجور عليه أن يتقبل حقبة مختلفة الملامح.

سوف ترحل التكلفة للمنتجات والخدمات. بالطبع سوف يحدث هذا في المدى القصير لكن في الأسواق المفتوحة للاستثمار ضرورات البقاء للمشروعات التجارية سوف تدفعها إلى مراجعة التكاليف لأجل خفض الأسعار، وهذا يوجد الدافع لأمر إيجابي في القطاع الخاص وهو: ارتفاع كفاءة الإدارة والقيادة.

ثمة حقائق ومعطيات إيجابية للعديد من القرارات التي تتخذها الحكومة. طبعا ستكون بعض القرارات متعجلة ولم تأخذ حقها من المراجعة والمناقشة الإيجابية والضرورية، وهذا طبيعي في أداء الحكومات وسوف يبقى، ولكن المهم أن لا نتخذ هذا ذريعة لعدم المضي في القرارات والإجراءات الإيجابية الأخرى، وفي الإدارة أن تتخذ قرارا خاطئاً خير من عدم اتخاذ قرار، فهنا يحدث التعلم وتتراكم التجربة.

لقد اتخذت الحكومة قرارات مهمة لخفض التكلفة غير الضرورية في القطاع العام، ومع الأسف لم تصاحبها جهود مكثفة لشرحها للرأي العام وتوضيح الحقائق والمعطيات التي قادت إليها. الذي تولى تفسيرها الوجدانيون ونجوم التواصل الاجتماعي الذين تسيدوا المشهد وتُركُوا ليغردوا في الوجدان الشعبي بحثا عن البطولات الجماهيرية، والضحية مستقبل بلادنا.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا