الارشيف / مقالات / اليوم السعودية

الإدارة بنظرية الطُعم

عندما ارتفع ضجيج المعارضة في المغرب أواخر التسعينيات، استدعى الملك الحسن الثاني، زعيم المعارضة السيد عبدالرحمن اليوسفي، وكلفه بتشكيل الحكومة، كانت خطوة في منتهى الإثارة أن يأتي زعيم الاتحاد الاشتراكي المناوئ للسلطة - والذي طالما اتهمها بأقذع الصفات- إلى سدة الحكم، حينها كانت شعبية اليوسفي في قمة طغيانها، حيث كان الرجل يمثل حلم الفقراء وعموم الشعب نسبة لنظرياته القوية التي كان يطلقها في سياق نقده للسلطة، فضلا عن أنه كان - فيما أعلم- أول معارض يصل إلى كرسي الوزير الأول في المملكة المغربية، لكنه ما إن باشر مهام عمله، وأصبح معنيا بالتعامل مع الواقع، وليس مع أحلام البسطاء حتى بدأت شعبيته بالتراجع شيئا فشيئا، ليخرج من السلطة بعد عامين فقط في العام 2000م، وقبل أن يُتم ولايته الدستورية، وربما برغبة الناس الذين باركوا مجيئه في بادئ الأمر. لكن لماذا أستعيد هذه القصة؟.

أنا أسوقها هنا فقط للتذكير بما هو معروف لدى الجميع، وهو أن هنالك فارقا كبيرا ما بين النظرية والتطبيق، وبالتالي فليس بالضرورة أن من يُحسن النقد، وإظهار المثالب، قادر على إدارة العمل بطريقة أفضل، مثلما أنه ليس بالضرورة أن تكون كل النظريات التي تحاكي أحلام الناس، وتدغدغ مشاعرهم، قابلة للتطبيق على أرض الواقع، لكن ولأننا في العالم العربي ما زلنا نتعامل مع قضايانا بوحي العاطفة، فإننا غالبا ما نواجه أولئك المُنظرين وقد بلغوا بعض مواقع المسؤولية، دون إجراء أي اختبار لقياس المسافة ما بين النظريات التي يطرحونها وقابليتها للتنفيذ، ليس على الورق، وإنما من خلال خطوط الواقع المتشابكة وتعقيداتها، الأمر الذي يجعلنا نتجرع خيبات الأمل تباعا، ونحن نشاهد كيف تتكسر (هفواتنا) بالأشخاص على صخور الواقع، والأمر لا يتعلق ببلد واحد أبدا، فهو سمة مشتركة غالبا لدول العالم الثالث ولله الحمد، في الوقت الذي يُفاجئنا الغرب في اسناد مسؤولياته التنفيذية إلى قيادات شابة بعضها جاءت من المهاجر، لا بناء على ما لديها من نظريات، ولا استنادا إلى تاريخها العائلي، وإنما اعتمادا على قدراتها ومهاراتها في الإدارة الرشيدة، والقيادة الواعية. هناك وزراء ومسؤولون قياديون شباب من أصول مغربية وجزائرية وبوسنية وهندية في معظم مواقع المسؤولية في الاتحاد الأوروبي.

المشكلة الأخطر تحدث متى؟.. عندما يتنكب صاحب النظرية، والتي يُفترض أنها هي من حملته إلى ذلك الكرسي، لكل ما كان يُنادي به سابقا، بمجرد أن يصل إلى المنصب، فيتنصل من كافة قناعاته، ويغسل يديه منها بالديتول سبع مرات إحداهن بالنكران، ويبدأ في تسويق ما سبق وأن رفضه، كجزء من لزوميات بقائه في موقعه، ودون أن يخجل أو يندى له جبين، بل دون أن يبذل أي مجهود لإقناع الناس بأنه حاول المقاربة بين نظرياته وفروض الواقع ولو من باب التبرير، مما يجعلنا نشك أن معظم أولئك الذي يُقدمون أنفسهم كشجعان حين يُروجون لنظريات جريئة وحالمة، إنما هم يستخدمونها كطعم للوصول إلى موقع ما.. ليس أكثر، وهذا أحد أسرار غوايتنا باللامعين والمتلمعين رغم أننا نعي أنه ليس كل ما يلمع ذهبا.

مواضيع ذات علاقة

  • كثير مما تعلمتَه في «مدخل إلى علم الاقتصاد» خطأ
  • ترقية «المحسوبية» واستقالة القيادي المتميز
  • نظريات اقتصادية أنيقة بجانب طريق البيانات
  • محمد الحرز
  • نظريات اقتصادية تتنحى عن طريق البيانات

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا