الارشيف / مقالات / الرياض

التفكير من خلال المفارقات

أستمتع بوجود المفارقات وأعتبر محاولة فهمها رياضة ذهنية..

والمفارقة قد تكون تركيبة لغوية ظريفة، أو فلسفية علمية عميقة تقف أمامها حائرا ومتحفزا ومتعجبا من طريقة تركيبها..

فحين يسرد عليك صديقك قصة غريبة ثم يقول لك "أنا حاليا أكذب عليك" فكيف تعرف أنه صادق أو كاذب فيما يقول؟.. فإن كان صادقا (في اعترافه الأخير) ستكون قصته كاذبة، وإن كان كاذبا (في اعترافه الأخير) ستكون قصته صادقة!!

ستمر الآن بحالة ارتباك وتتوقف قليلا لفهم هذه الفقرة.. وهذا طبيعي لأنك أمام مفارقة ذكية تقبل الاحتمالين..

والحقيقة هي أننا نستعمل في حياتنا مفارقات لفظية كثيرة.. وإن لم تكن ذكية: فقد تتصل الزوجة بزوجها وتسأله: إيش (قاعد) تسوي؟ فيجيبها بمفارقة مماثلة: (قاعد) أمشي..

وقد يقترح عليك صديقك الذهاب لمطعم مشهور فتقول: لا أحد يذهب لهذا المطعم لأنه مزدحم دائما..

وحين تتأمل نصائحنا بالذات تكتشف تضمنها مفارقات شبة مستحيلة؛ فقد ينصحك والدك بعدم ترك الوظيفة قبل امتلاك خبره كافية في التجارة.. أو تنصحك والدتك بتأجيل فكرة الزواج لأنك لا تملك خبره كافية في "الحريم"!

ومن أقدم المفارقات التي أتذكرها مقطع طريف من مسلسل "صح النوم" (الذي يتذكره كل من تجاوز الأربعين).. ففي هذا المسلسل يبدأ رئيس المخفر (أبو فهمي) بالتحقيق مع غوار الطوشي فيسأله عن اسمه؟ لا يجيب مباشرة بل يسرد قصة طويلة محيرة يقول فيها (باختصار): ... والله ما بعرف يا سيدي شو اسمي.. لأن أمي الله يرحمها خلفت ولدين توأم يشبهوا بعض.. واحد اسمه غوار والثاني فوار.. وفي سن الرضاعة سقط واحد فينا في النهر وغرق.. وإلى اليوم ما أحد بيعرف مين اللي غرق، غوار أو أخوه التوأم فوار..!!

وحين ننتقل إلى عالم الفكر والفلسفة نجد مفارقات كثيرة (جادة) تتعلق بطبيعة الحياة والكون وإدراك الأشياء.. فمن أقدم المفارقات التي ناقشها الاغريق مثلا: لو انفجر بركان في جزيرة بعيده ولم يسمعه أحد، هل يصدر له صوت؟!

أيضا هناك مفارقة القضاء والقدر التي ناقشتها كافة الأديان.. فجميعنا يؤمن بالقضاء والقدر ولكن جميعنا تساءلنا بيننا وبين أنفسنا: لو كانت أقدارنا مكتوبة قبل ولادتنا فكيف نحاسب لاحقا على أفعالنا؟.. ولو كنا نملك حرية أفعالنا (في الحاضر) فكيف كتبت علينا أقدارنا في الماضي..

ومفارقة كهذه تظهر حين نتنقل بين أي حدثين زمنيين (المسافة بينهما أطول من أعمارنا).. مازلت أذكر فيلم "العودة إلى المستقبل" وكيف يسافر الابن المراهق إلى الماضي للتوفيق بين والديه الشابين تمهيدا لزواجهما وإنجابه.. وهنا تبرز المفارقة: ماذا لو فشل في تزويجهما في الماضي؟.. كيف كان سيولد في الحاضر؟

وأخيرا؛ هناك مفارقات كثيرة (بين الفيزياء التقليدية والفيزياء الحديثة) لم يتمكن العلماء من حلها حتى اليوم.. مجرد محاولة فرض فيزياء نيوتن على فيزياء الذرة يخلق مفارقات يصعب على العلماء حلها - الأمر الذي أجبرهم مثلا على القبول بتصرف المادة والإشعاع كموجة وجزيء في وقت واحد!!

.. كل هذه الأمثلة تثبت أن المفارقات ليست مجرد تلاعب لفظي، بل تركيبة فلسفية وعلمية عميقة تحثنا على التفكير، والتساؤل، والبحث عميقا..

.. وفي حال قررت "البحث عميقا" سيرتفع حتما مستواك الذهني ورصيدك المعرفي.. وتشم رائحة شياط تخرج من جمجمتك..

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا