الارشيف / مقالات / الشرق الاوسط

لا تسمحوا لـ«إف بي آي» بأن يميل كفة الانتخابات

الثلاثاء - 1 صفر 1438 هـ - 01 نوفمبر 2016 مـ رقم العدد [13853]

دعونا نستعير عبارة السيناتور الديمقراطي الاشتراكي عن ولاية فيرمونت، برني ساندرز، التي قال فيها: «أنا أيضًا سئمت من سماع اخبار رسائل البريد الإلكتروني اللعينة الخاصة بهيلاري كلينتون».
فكما علمنا جميعًا مؤخرا، فإن مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) يقوم حاليًا بمراجعة بعض الرسائل الخاصة بأحد أقرب مساعدي كلينتون، للتأكد مما إذا كانت تحوي معلومات سرية أم لا.
جاء ذلك في خطاب غامض أرسله مدير «إف بي آي»، جيمس كومي، إلى قادة الكونغرس الأميركي، مما قلب الانتخابات رأسًا على عقب.
هذا ما يمكن اعتباره البديل السياسي لمخدر الكوكايين. فقد دعا رئيس مجلس النواب، باور راي، مدير وكالة الاستخبارات الوطنية، جيمس كلابر، إلى التوقف عن إعطاء معلومات سرية للمرشحة الديمقراطية. فكبار الليبراليين باتوا يستشيطون غضبًا ويزعمون أن كومي يحاول أن يلقي بالانتخابات إلى الجمهوريين. وفي الوقت ذاته، تشعر حملة ترامب بالسرور، حيث قالت مديرة الحملة كيليان كونواي، في إحدى تغريداتها على موقع «تويتر»: «أبشركم بيوم سعيد آخر في حملتنا».
يستحق الأمر أن نعود خطوة إلى الخلف لننظر إلى ما يقوم مكتب «إف بي آي» بالتحقيق فيه، فقد أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» بأن المكتب انتبه إلى وجود رسائل إلكترونية جديدة خلال تحرياته عن عضو الكونغرس الديمقراطي السابق أنتوني وينر، لتبادله رسائل غرامية مع فتيات قُصر. وينر متزوج واحدة من أكبر مساعدات كلينتون، واسمها هوما عابدين. يقول كومي في رسالته إن مكتب «إف بي آي» يقوم حاليًا بالمراجعة، للتأكد مما إذا كانت الرسائل قد حوت معلومات سرية أم لا.
صلب الموضوع هو إساءة استعمال المعلومات السرية، فقد استخدمت كلينتون (سيرفر) خاصًا وغير آمن في إتمام أعمال رسمية مع طاقم عملها بوزارة الخارجية. وصرح كومي بأن قرار كلينتون باستخدام الخادم الخاص كان عملاً طائشًا، وأن قوى خارجية ربما استطاعت الدخول إلى رسائلها الخاصة.
ولهذا السبب دفعت كلينتون ثمنًا سياسيًا باهظًا، والسؤال هو: هل يجب أن تحاسب كلينتون على إهمالها باعتباره جريمة؟ وللإجابة عن هذا السؤال، علينا أن نضع الأمن القومي وما تعرض له من ضرر جراء استخدام كلينتون بريدها الشخصي في الإطار الصحيح. فعلى الرغم من الإجراءات الصارمة التي طبقها «إف بي آي»، فقد كانت أسرار الدولة التي سربت خلال فترة رئاسة باراك أوباما أكثر من أي وقت مضى في تاريخ الولايات المتحدة.
فقد جرى تسريب عدد ضخم من البرقيات الدبلوماسية من خلال موقع «ويكيليكس». تعرض كذلك مكتب شؤون الموظفين لعملية قرصنة، مما منح الصينيين الفرصة للاطلاع على ملفات التصاريح الأمنية الخاصة بآلاف العاملين في مواقع حساسة في الحكومة الأميركية. حدثت أيضًا تسريبات صحافية عن أعمال القرصنة على الإنترنت ضد برنامج إيران النووي وضد فرع تنظيم القاعدة في اليمن.
وفي هذا الإطار، فإن المطالبة بمحاكمة كلينتون باسم حماية أسرار الدولة يشبه إلى حد ما تطبيق إجراءات صارمة على جريمة السير عكس الاتجاه، بينما هناك سفاح طليق في المدينة.
من العدل أن نقول إن القانون هو القانون، وإنه على وزيرة الخارجية كلينتون أن ترتقي لمستوى منصبها ما دام أن الموظفين الأدنى منها مستوى سيتعرضون للعقاب، لو أنهم فعلوا ما فعلته كلينتون.
لكن الجدل يسير في كلا الاتجاهين، وهو أن «إف بي آي» دائمًا ما يعطي القضايا التي يحقق فيها أولوية كبيرة. ويجب أن تكون الخسائر التي تسببت فيها الجريمة المفترضة ضمن ما نضعه في حسباننا، فعندما يتعلق الأمر بإساءة التصرف بالمعلومات السرية، فأستطيع أن أقول من خلال تجربتي إنه حدث كثيرًا أن قام مسؤولون حكوميون بتسريب معلومات سرية للصحافيين.
لكن هناك ما هو أعظم على المحك، فباعتباري صحافيًا، فإنه من مصلحتي تخفيف درجة السرية الحكومية وتقليل عملية التدقيق في المصادر الحكومية. ولذلك فإنني أعترف بأنني منحاز هنا. لكنه لن يكون في صالح الدولة على المدى البعيد أن يقوم «إف بي آي» بالتحقيق في إساءة التصرف في معلومات الأمن القومي أينما حدث ذلك. فمن شأن ذلك أن يعطي مدير «إف بي آي» صلاحيات غير عادية في تعامله مع باقي أجهزة الدولة.
المشكلة هي أن «إف بي آي» لديه كثير من الأسرار ليحميها. ولذلك، فإن الجمهوريين يشعرون بالدوار بمجرد التفكير في أن كلينتون قد ينتهي بها الحال في السجن بسبب بريدها الخاص، ويسألون أنفسهم كيف لو أن الحال انعكس وباتوا هم في هذا المأزق. هل سيكون لمدير «إف بي آي» صلاحية التأثير على الانتخابات باختياره لجريمة يرتكبها الجمهوريون والديمقراطيون طوال الوقت؟ فالمثل يقول: احذر فيما تتمناه لغيرك، فقد تدور عليك الدوائر.
* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا