الارشيف / مقالات / المرصد

محاربة التغريب والليبرالية والعلمانية

نسمع ونقرأ في بعض مجتمعاتنا العربية عن برامج غريبة عجيبة، وكأن من يحدد التيارات «الخطرة» على مجتمعنا لا يعيش بيننا ويعرف ما هي التيارات التي تقود المجتمعات إلى التشدد والتطرف، ومن ثم الإرهاب الذي تقوده حركات الإسلام السياسي، بدءاً من حركة الإخوان المسلمين وتنظيمها السري، الذي قام بالعديد من عمليات الاغتيال السياسي في بداية القرن الماضي في مصر، ومن ثم نشط فترة السبعينات عندما أطلق له العنان للحركة في الساحة المصرية بهدف ضرب التيارات اليسارية، وبالفعل سيطر تنظيم الإخوان المسلمين على الاتحادات الطلابية في الجامعات هناك، ومن تقلبات تلك المرحلة خرجت الحركات الجهادية التي ضربت مصر في اقتصادها، خصوصاً في الجانب السياحي منه، أما على الجانب الفكري فكلنا يعرف أن التنظيمات الجهادية الإسلاموية استهدفت رموزاً ثقافيةً وفكريةً بالاغتيال، كما حدث للمفكر فرج فودة، ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ.

لم نسمع يوماً في عالمنا العربي أن تياراً علمانياً أو ليبرالياً يدعو في أدبياته إلى العنف والتشدد، بل إن هذه التيارات هي هدف مشروع للتصفية والاغتيال والتشويه في مجتمعاتنا العربية، ولا أبالغ حين أقول إن تيارات الإسلام السياسي، وفي سعيها للوصول إلى «سدة» الحكم، عملت على محاربة التيارات الليبرالية، وتصويرها أنها تيارات مرتبطة بالأجنبي، واتهامها بالعمالة مستخدماً خطاباً تخوينياً، وأن هذه التيارات الليبرالية هي ضد الدين، وهذا الخطاب له قبول في الثقافة السائدة والمحافظة في المجتمعات العربية، أما أنظمة الحكم فقد عملت على استغلال حركات الإسلام السياسي في ضرب التيارات الليبرالية والتي تدعو إلى أن العلمانية هي الحل في مجتمعات متعددة الأعراق والأديان والمذاهب، وأن هناك خطورة في توظيف الدين في السياسة، ولكن هذا ما حدث، ونحن الآن نعيش ثمرة هذا الخلط والتوظيف.

أما مسألة التغريب، فعلى رغم أننا مشدودون إلى الغرب المتقدم بمنتجه الحضاري والفكري، إلا أننا نلحظ رفض هذا الغرب من قبل التيارات الإسلاموية، بل إننا نتذكر أن قيادات حركة الإخوان المسلمين كانت تنعم وتعيش في العواصم الغربية وتتحرك ضد دولها هناك، أما أتباعها في الداخل العربي فهم يحاربون التيارات الفكرية الأخرى بأنهم عملاء لهذا الغرب الكافر كما يطلق عليه بعض رموزهم، وهم في جلهم خريجو الجامعات الغربية، وكلنا يتذكر كتبهم التي تتهم الآخرين المختلفين معهم سياسياً بأنهم «زوار السفارات»، ومثل هذا الخطاب للأسف انجلى على الرأي العام العربي، وتجد الاتهام بالليبرالية للبعض وكأنها كفر بواح، ولو سألت تلك الجماهير ما هي الليبرالية لخلطوا بينها وبين أسماء أكلات شعبية.

لن أتحدث عن آلاف الطلبة الذين درسوا في الجامعات الغربية من أبنائنا، وهل كانت مثل هذه المشاريع التنويرية مشاريع تغريب؟ ولكن أعتقد أننا نسير في سياسة متناقضة مع مفهوم العولمة والثورة المعلوماتية، فنحن نريد أن نكون ضمن هذا العالم فقط اقتصادياً، والنكوص إلى ثقافة ماضوية لا يمكن أن تتعايش مع العصر إلا إذا تم تهذيبها وإعادة قراءتها لتتواءم مع العصر.

الفكر الديني المتشدد برأيي هو من يحتاج إلى مراجعة حتى لا يستخدم من حركات التنظيم السياسي، فمن يفجّر ويقتل باسم الدين هي حركات القاعدة وداعش وحزب الله، فمتى نفهم أننا نسير في الطريق الخاطئ في معالجة الإرهاب بكل أشكاله.

نقلا عن الحياة

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا