أخبار العالم / صحف مصر / المصرى اليوم

مكامير الفحم.. «لقمة عيش» في انتظار التقنين (تحقيق)

  • 1/3
  • 2/3
  • 3/3

اشترك لتصلك أهم الأخبار

فى محاولة لمواجهة مصادر تلوث الهواء،أصدر اللواء أحمد راشد، محافظ الجيزة، قرارا بحظر تشغيل مكامير الفحم نهائيا، خلال الفترة من 1 سبتمبر الجارى حتى 30 نوفمبر المقبل، وأجرت وزارة البيئة حملة تفتيشية مكبرة على مكامير الفحم غير المطورة، بمنطقة «برقاش» بمحافظة الجيزة، فى إطار استعدادها لاتخاذ الإجراءات الاحترازية الاستباقية للسيطرة الكاملة على مصادر تلوث الهواء ومجابهة نوبات تلوث الهواء الحادة، وأصدرت الجهات المعنية قرارا بإزالة 15 مكمورة فحم نباتى تقليدية وجار اتخاذ اللازم نحو تنفيذ قرارات الإزالة من خلال الجهات المعنية.

لا يلزم المشهد لافتة للإعلان عن المكان، فشبورة سوداء كثيفة من الدخان تبعث من مختلف الأنحاء، وأكوام الأخشاب المتفحمة والمتراصة بشكل هندسى، ومجموعة من العمال منتشرون كخلية نحل، منهم من يرفع الأشجار، وثان يقطعها بواسطة منشار حديدى، وثالث يحملها على كتفيه ويعاونه زميله فى رصدها بشكل متواز.. جميعها مشاهد كفيلة للإشارة إلى أن هذا الموقع هو لإحدى مكامير الفحم.

«المصرى اليوم» قضت معايشة داخل إحدى مكامير الفحم بعد قرار حظر تشغيلها بالجيزة، والتقت بمجموعة من العاملين الذين أكدوا أنهم رغم علمهم بأن الدولة تستهدف من التطوير مصلحتهم بسبب خطورة الوضع الحالى للمكامير إلا انهم لا يجدون مصدر دخل بديل.

مكامير الفحم

لا ينشغل أحمد هارون، الرجل الأربعينى، بمتابعة الأخبار على شاشات التليفزيون أو صفحات الجرائد، وإنما كل ما يشغله توفير نفقات أسرته الكبيرة، وسد جوع صغاره كل يوم، يخرج من بيته المتواضع فجر كل يوم، مرتديا ملابس رثة تتناسب مع طبيعة مكان عمله، لم ينزعج من ارتفاع درجات الحرارة، ووقوفه ساعات طويلة أمام النيران المشتعلة، وإنما انزعج من قرار صاحب العمل بفصله عن العمل عقب قرار محافظ الجيزة بحظر العمل فى مكامير الفحم، فى الفترة ما بين أول سبتمبر وحتى نهاية نوفمبر المقبل.

طوال 15 عاما ماضية اشتغل هارون فى عملية تفحيم الأخشاب، مهنة قاسية على صاحبها، على حد وصفه، ولكنه لا يعلم غيرها، وحول دوره فى مكامير الفحم، قال هارون: «تبدأ عملية التفحيم من خلال حفرة يتم فيها رص الأخشاب بارتفاعات عالية، وتغطى بالقش المبلل بالماء، وكذلك تراب الفحم، ويوجد على جوانبها مواسير للتغذية بالهواء اللازم للاشتعال، هكذا تدار عملية صناعة الفحم داخل المكمورة ».

فتح المكمورة لا يحتاج إلى رأس مال كبير، هذا ما أكده أحمد جودة، أحد العاملين بمكمورة الفحم، فهى تعتمد على توفير الأشجار وعمالة ذات خبرة فى المجال، وقال: «تعتمد المكمورة على صناعة الفحم النباتى على الأشجار، وبنشتريها من مزارع فى سيناء أو محافظة البحيرة. إحنا بنجيب الأشجار التى انتهى عمرها الافتراضى ونصنع منها الفحم، 90% من الفحم نقوم بتصديره إلى الدول العربية، ويعتبر شجر البرتقال أفضل إنتاجية فى الفحم يليه شجر المانجو ثم الجازورين الذى غالبا ما تستخدمه محال الأطعمة».

ويقول جودة: «لا يسعى العمال فى مكامير الفحم لتحسين أوضاع مادية أو تطوير مطالب عمالية، كل ما يريدونه هو توفير مصادر دخل بديلة لهم خاصة انهم يعرفون مخاطر المهنة على صحتهم وصحة المواطنين».

يخشى أحمد ممدوح، أحد أصحاب المكامير، من تنفيذ تهديدات وزارة البيئة بغلق مكامير الفحم مصدر رزقه الوحيد «محدش يِنْكر إن الفحم مؤذٍ، إحنا على طول تعبانين بس لو كنا لقينا شغلانة تغنينا عن السؤال كنا اشتغلناها لأن أكل العيش صعب»، هكذا يقول الشاب الثلاثينى، ويضيف: «أنا كنت بشتغل فى تجارة السيارات المستعملة فى القاهرة، لكن السوق خسرت فى الخمس سنوات الأخيرة، بسبب تعويم الجنيه المصرى وارتفاع سعر الدولار، ولم يكن أمامى بديل سوى مشاركة أحد أقاربى وفتح مكمورة فحم، وجميعنا على علم بمخاطر مكامير الفحم الصحية علينا إلا أنها السبيل الوحيد أمامنا، وأنا راض بغلق المكمورة ولكن على الدولة أن توفر الطعام لأبنائى الأربعة ومصاريف دراستهم».

وقال ممدوح: «مهنتنا تعتمد على التصدير ولا نحتاج من الدولة شيئا سوى أن تترك لنا منفذا للتصدير لأن عملنا يعتمد على البيع للخارج».

ويقول أحمد هارون، أحد العاملين بالمكامير: «يوم قفل المعابر مع ليبيا صاحب المكمورة بيقول هدى الشغل شوية، لأن معظم الفحم بيتصدر إلى الخارج، فبنقعد فى البيت لحين فتح المعبر مرة أخرى».

وأعلنت الدكتورة ياسمين فؤاد وزيرة البيئة فى تصريحات سابقة، تطوير آلية تمويلية عبر بروتوكول تعاون بين الوزارة، ووزارة التنمية المحلية، وجهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، بإتاحة قروض ميسرة لمساعدة أصحاب المكامير فى أعمال التطوير وإنشاء مكامير متطورة «صديقة للبيئة»، لافتة إلى تقديم التمويل لـ16 مستثمراً بإجمالى 549 ألف جنيه.

وأضافت أنه تم الانتهاء من توفيق أوضاع 77 نموذجاً مطوراً، بالإضافة إلى 7 مصانع لإنتاج الفحم النباتى المضغوط، فضلاً عن اتخاذ إجراءات الموافقة على تصدير نحو 39 ألف طن فحم نباتى لكل مَن ثبتت جديته فى توفيق أوضاعه البيئية، وفقاً لتقارير متابعة خطط توفيق الأوضاع البيئية التى ترد من لجان المحافظات.

وأوضحت أنه تم تشكيل لجان بالمحافظات لتوفيق أوضاع مكامير الفحم النباتى، تلقت ما يزيد على 669 طلباً، وتمت الموافقة على نحو 263 طلباً، ورفض 146 طلباً، وجارٍ دراسة باقى الطلبات.

ولم تتوافر إحصائيات حديثة عن عدد مكامير الفحم فى مصر، وكان آخر الإحصائيات حسب تقرير أعده الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء فى 2013، وأوضح أن عدد المكامير فى مصر يصل إلى 3 آلاف مكمورة، تسيطر محافظة القليوبية على 285 مكمورة، ويصل متوسط إنتاج الواحدة نحو 10 أطنان من الفحم النباتى شهرياً.

فى شهر أكتوبر من العام الماضى، تقدم تادرس قلدس، عضو لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب، بطلب إحاطة إلى رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى، حول الإجراءات المتخذة للحد من الأضرار الناتجة عن مكامير الفحم التى وصلت إلى 3 آلاف مكمورة، موضحا أن عدد مكامير الفحم النباتى على مستوى محافظة أسيوط وحدها بلغ نحو 30 مكمورة، وهى صناعة رائدة بالمحافظة إلا أنها شديدة الخطورة إذا كانت مناطق إنتاجه قريبة من التجمعات السكنية، حيث تنبعث منها غازات كثيرة مثل أول أكسيد الكربون وثانى أكسيد الكربون وثانى أكسيد الكبريت وبعض المخلفات الأخرى التى تؤثر على الثروة الزراعية والمائية، كما تؤثر على العاملين فى الإنتاج وعلى سكان المنطقة بأسرها.

وأكد «قلدس» أنه وعلى الرغم من التطور الكبير الذى حدث فى العالم فى كل الصناعات، إلا أن الفحم يظل ذا مكانة رائدة رغم وجود الكهرباء، فهو منتج يأتى من لا شىء، ويدخل فى صناعات غذائية ودوائية عديدة، كإزالة الروائح والأبخرة فى الأماكن العامة، مثل المستشفيات والمطاعم وفى تخزين الغاز الطبيعى، ومعالجة مياه الشرب، وفلاتر الأقنعة الواقية من الغازات السامة، ما يجعل المكامير مشروعًا قوميًا مهمًا يستدعى إعادة توطين وتطوير هذه الصناعة وعرض نماذج مطورة منها لتقييمها، واختيار الأقل ضررًا منها للحد من مخاطرها مع ضرورة دراسة الأحمال البيئية الناتجة عنها.

وطالب النائب بتقنين أوضاع مكامير الفحم التى تضم أكثر من 5000 عامل، وجعلها صديقة للبيئة من خلال نقلها إلى منطقة صناعية يتوفر فيها مقومات الحياة من كهرباء ومياه، وليست مناطق صحراوية «مقطوعة» لا يتوافر بها عوامل الأمان للعمال، وأن توفر الحكومة أفران الفحم غير المضرة بالبيئة، والتى تعتمد على إحراق الأخشاب داخل أفران ضخمة وتنقية الدخان عن طريق أجهزة معينة وإخراجه هواء نقيا غير مضر بالبيئة.

وكشفت جولة داخل عدد من مكامير الفحم عن محاولات أصحابها تقنين أوضاعهم من خلال بناء مكمورة متطورة ملحق بها مبنى مسقوف؛ لتجميع الغازات المنبعثة، لمنع خروج الدخان خارجها ومعالجتها حراريًا ومائيًا لتحويلها إلى غازات متوافقة بيئيًا.

ولا يقتصر العمل الشاق والأكثر خطورة داخل مكامير الفحم على الرجال فقط، وإنما تفاجأ هناك بوجود السيدات، واللاتى اختفت ملامحهن خلف رماد أسود، وارتدين جلبابا باليا وقدمين حافيتين.

«ربنا يتوب علينا من جرى السكك»، كلمات خرجت بعفوية من حنان إبراهيم، 17 عاما، وإحدى الفتيات العاملات على «خط 12» بقرية «أجهور» بمحافظة القليوبية، وهو المكان الأخير الذى يشهد الخطوات النهائية لتعبئة الفحم وتغليفه قبل التصدير.

تتجمع «فتيات الخط» تحت سن العشرين، اللواتى يقمن بعدة أعمال تبدأ من فرش الفحم على الأرض لتجفيفه وحتى تعبئته داخل الأكياس المعدة للتصدير. تقول: «أشتغل فى المكمورة منذ ثلاث سنوات بعد وفاة أبى مقابل 35 جنيها يوميا، وصاحب المكمور بيعاملنى زى ولاده بس أنا تعبت من الشغل لأنه صعب وبحلم باليوم اللى أقعد فيه بالبيت، بس بارجع وأفوق على مصاريف إخواتى وأمى اللى ملهومش حد غيرى».

لا تختلف قصة حنان عن باقى زميلاتها العاملات داخل المكامير فجميعهن أُجبرن على مغادرة المدارس فى سن مبكرة للعمل داخل مكامير، تتعدى مساحة الواحدة 3 آلاف متر.

فى عام 2007 أعدت وزارة البيئة خطة لتطوير مكامير الفحم النباتى باستخدام تكنولوجيا مستدامة بيئيًا، ووضعت خلالها الاشتراطات والضوابط البيئية للنماذج المطورة، لإنتاج الفحم النباتى، وتمت الموافقة على 6 نماذج منها.

وأوضحت الوزارة فى تقريرها السنوى حول إنجازات أعمالها فى 2017، أن رئاسة الوزراء أصدرت القرار رقم 2914 بتاريخ 8 نوفمبر، بشأن الضوابط والإجراءات اللازمة لتوفيق الأوضاع البيئية، لمكامير إنتاج الفحم النباتى فى أماكنها الحالية.

وتابعت أنه تم الانتهاء من توفيق أوضاع 14 شركة لإجمالى 22 نموذجًا مطورًا، تم الانتهاء من تركيبها والإنتاج الفعلى منهم، إضافة إلى 3 مصانع لإنتاج الفحم النباتى المضغوط.

وأضافت أنه تم أيضًا اتخاذ إجراءات الموافقة على تصدير الفحم النباتى للوحدات الحاصلة، على موافقة مبدئية، لخطة توفيق أوضاعها، وذلك لـ118 منشأة من إجمالى 164 نموذجًا مطورًا، للأفراد والشركات، مع توفير آلية تمويلية، من خلال إتاحة قروض ميسرة، بمنحة 20% بالتعاون مع الصندوق الاجتماعى، لمساعدة أصحاب المكامير فى أعمال التطوير.

وأشار أحمد منصور، أحد أصحاب المكامير، إلى أن تطويرالمكامير ليس بالأمر السهل، فتكلفة الأفران المصنعة للفحم التى تسعى الدولة لتوفيرها باهظة الثمن، ولا يستطيع أصحاب المكامير توفيرها، وقال: «فى عام 2000 طلبت منا وزارة البيئة تطوير المكامير وبالفعل قمنا بتطويرها من خلال خبير لمنع خروج الدخان من الغرفة المغلقة وتكلفت وقتها 60 ألف جنيه، إلا أننا فوجئنا بعدها بتقاعس وتعنت من وزارة البيئة بإعطائنا التراخيص لمزاولة مهنتنا بطريقة رسمية».

وأكد منصور أنهم غير معارضين لقرار وزارة البيئة تطوير مكامير الفحم لتصبح صديقة البيئة، وحول وجود المكامير داخل المناطق العمرانية، برر منصور أن مكامير الفحم كانت فى البداية بعيدة بمعزل عن التجمعات السكنية، ولكن نتيجة البناء على الأراضى الزراعية وتراجع الرقعة الزراعية فقد أصبحت ملاصقة لها.

مكامير الفحم

الفحم.. المنافع والأضرار

■ الفحم النباتى مخلفات زراعية مكونة من مادة الكربون تنتج عن عملية نزع الماء من المواد النباتية.

■ يصنع بطريقة بالتقطير الاتلافى أو «الحرق بمعزل عن الهواء».

■ يختلف الفحم النباتى عن الفحم الحجرى الذى يستخرج من باطن الأرض من حيث الخواص والاستخدامات رغم أن الكربون هو العنصر الأساسى فى تركيب كل منهما.

■ الفحم النباتى يتم تصنيعه من مواد ذات «أصول كربونية» مثل الخشب، وقشور جوز الهند، وحطب القطن، بطرق خاصة للحصول على كربون مسامى.

■ يُستخدم الفحم النباتى فى صناعات عديدة كصناعة السكر، والطلاء الكهربى، وتنقية الذهب، والفضة، وفى تكرير البترول.

■ يُستخدم فى صناعات غذائية ودوائية عديدة، كإزالة الروائح والأبخرة فى الأماكن العامة، مثل المستشفيات والمطاعم وفى تخزين الغاز الطبيعى.

■ يُستخدم الفحم النباتى فى مجال الطب كمضاد للسموم وفى مرشحات الغسيل الكلوى وفى فصل المركبات الدوائية وتنقيتها، ويستخدم فى صورة أقراص تؤخذ عن طريق الفم للتخلص من غازات المعدة والأمعاء الناتجة عن سوء الهضم.

■ يُستخدم فى معالجة مياه الشرب، وفلاتر الأقنعة الواقية من الغازات السامة.

التأثيرات الصحية الناتجة عن صناعة الفحم

■ تكون صناعة الفحم أكثر خطورة إذا كانت مناطق إنتاجه قريبة من التجمعات السكنية، حيث تؤثر هذه الغازات والأبخرة ليس على العاملين فى الإنتاج فقط بل وعلى سكان المنطقة بأسرها.

■ الضرر الرئيسى من صناعة الفحم ينتج من الاستنشاق للغازات المنبعثة من عملية الحرق.

■ يؤدى تفاعل أكاسيد الكبريت الناتج عن الصناعة إلى التهابات فى القصبات الهوائية.

■ تؤدى الغازات الهيدروكربونية، الناتجة عن الصناعة إلى أمراض سرطانية.

■ غاز أول أكسيد الكربون الناتج عن صناعة الفحم ذو قدرة عالية على الاتحاد مع الهيموجلوبين 200 مرة أكثر من الأكسجين، وبالتالى فإنه يؤدى إلى التسمم الحاد والصداع والدوخة والغثيان والفشل التنفسى.

■ إذا زاد تركيز غاز ثانى أكسيد الكربون على 5% فإنه يؤدى إلى فقدان الوعى والوفاة.

■ تتسبب أكاسيد النيتروجين فى تهييج للحويصلات الهوائية فى الرئتين، فى حين يمكن أن يؤدى تراكم الغبار فيهما إلى التليف والوفاة.

■ الضرر الرئيسى من صناعة الفحم ينتج من الاستنشاق للغازات المنبعثة من عملية الحرق.

■ يؤدى تفاعل أكاسيد الكبريت الناتج عن الصناعة إلى التهابات فى القصبات الهوائية.

■ يعتبر غاز أول أكسيد الكربون الناتج عن صناعة الفحم ذا قدرة عالية على الاتحاد مع الهيموجلوبين 200 مرة أكثر من الأكسجين، وبالتالى يؤدى إلى التسمم الحاد والصداع والدوخة والفشل التنفسى.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا